الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              وبهذا التفصيل يجمع بين إطلاقات متباينة [ ص: 73 ] في ماء مبلات الكتان ؛ لأن له حالات متفاوتة في التغير أولا وآخرا كما هو مشاهد نعم الذي ينبغي فيما شك في انفصال عين فيه أنه لو تجدد له اسم آخر بحيث ترك معه اسمه الأول السلب ؛ لأن هذا التجدد قرينة ظاهرة جدا على انفصال تلك العين فيه ( أو بتراب ) طهور بناء على أنه مخالط ، وإلا فلا فرق كما هو واضح خلافا لمن وهم فيه ، ومثله في جميع ما يأتي الملح المائي لا الجبلي إلا إن كان بممر أو مقر ( طرح ) لا لتطهير مغلظ ، وإلا لم يصر طينا لا يجري بطبعه وإلا أثر جزما ( في الأظهر ) إذ التغير بالمجاور ومنه البخور ولو احتمالا إذ ما شك في أنه مخالط أو مجاور له حكم المجاور ، ثم رأيت جمعا جزموا بأنه مجاور حتى من قال إنه يضر لكنه بناه على الضعيف من التفرقة في المجاور بين الريح وغيره ، ولا ينافي كونه مجاورا أن الأصح في دخان الشيء أنه من نفس جرمه ؛ لأنه لا مانع أن ينفصل جرم مجاور من جرم مخالط إذ المشاهدة قاضية في الدخان بأنه مجاور يطفو على الماء ولا يختلط به مجرد تروح ، وإن فحش فهو كتغير بجيفة على الشط وبالتراب .

                                                                                                                              أما مجرد كدورة لا تمنع الاسم فعليه هو مجاور ، والمتغير به مطلق وهو الأشهر وإما للتسهيل على العباد [ ص: 74 ] فهو غير مطلق قال جمع وهو الأقعد ويؤيده أن المتن مصرح به ؛ لأنه أعاد الباء في بتراب ولم يجعله من أمثلة المجاوز فدل على أنه مخالط ، وأن التغير به مغتفر مع ذلك نظرا لما فيه من الطهورية .

                                                                                                                              وأصل هذا اختلافهم في حد المخالط أهو ما لا يمكن فصله فخرج التراب ، أو ما لا يتميز في رأي العين فدخل ، أو المعتبر العرف أوجه أشهرها الأول وقضية جزمهم بإخراج التراب عليه أن المراد ما لا يمكن فصله حالا ولا مآلا ورجح شيخنا في بعض كتبه تبعا لشيخه القاياتي ولأبي زرعة ما دلت عليه عبارة المتن ، وصرح به جمع متقدمون أن التراب مخالط ، وأن ذلك يدل على أن الأرجح من التعاريف الثلاثة الثاني ، وأنه المعتمد وقد يقال ما لا يمكن فصله حالا ولا مآلا لا يتميز في رأي العين فيتحدان ، ويكون ما دل عليه بيانا للعرف فلا خلاف في الحقيقة ( ويكره ) تنزيها وقيل تحريما شرعا لا طبا فحسب فيثاب التارك امتثالا شديد حر وبرد لمنعهما الإسباغ أو للضرر فإن قلت ينافي هذا حديث { وإسباغ الوضوء على المكاره } قلت لا ينافيه ؛ لأن ذلك في إسباغ على مكرهة لا بقيد الشدة ، وهذا مع قيدها الذي من شأنه منع وقوع العبادة على كمال المطلوب منها .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله أو بتراب ) أي ولو مستعملا بناء على التعليل بأن التغير مجرد كدورة وهذا ما اعتمده شيخنا الشهاب الرملي ( قوله إذ التغير ) ضبب بينه وبين قوله مجرد كدورة ( قوله أن ينفصل جرم ) انظر من أين لزم هنا انفصال جرم مجاور من جرم مخالط إلا أن يقال لزم من شمول البخار للدخان المخالط ، ( قوله وبالتراب ) ضبب بينه وبين قوله بالمجاور ( قوله وأما للتسهيل ) يتأمل هذا العطف [ ص: 74 ] ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله لمنعهما الإسباغ ) أي على الوجه الكامل لا مطلقا .



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( قوله في ماء مبلات الكتان ) بالإضافة ( قوله السلب ) جواب لو ، على حذف الخبر ، أي : متعين ، والجملة الشرطية خبر إن ، وهو مع اسمه وخبره خبر الموصول ، قول المتن ( أو بتراب ) أي ولو مستعملا بناء على التعليل بأن التغير مجرد كدورة ، وهذا ما اعتمده شيخنا الشهاب الرملي سم وكذا اعتمده النهاية والمغني ( قوله طهور ) احترز به عن المستعمل وقوله بناء إلخ أي التقييد بالطهور مبني على إلخ ( قوله وإلا فلا ) أي وإن قلنا إن التراب مجاور فلا يضر التراب المطروح مطلقا طهورا كان أو مستعملا .

                                                                                                                              ( قوله ومثله ) إلى قول المتن ( في الأظهر ) في النهاية والمغني ( قوله ومثله في جميع ما ذكر إلخ ) والحاصل أن الظاهر الواقع في الماء إما أن يكون مخالطا أو مجاورا ، والأول إما أن يستغني الماء عنه أو لا ، والأول إما أن يكون التغير به يسيرا أو كثيرا فإن كان يسيرا لم يضر وإن كان كثيرا ضر ، وتستثنى منه الأوراق إذا تناثرت بنفسها وتفتتت وغيرت والملح المائي والتراب الطاهر أو الطهور وإن طرحا فلا يضر التغير بواحد من هذه الثلاثة ، والمجاور إما أن تتحلل منه أجزاء تمازج الماء وتخلطه كالمشمش والزبيب والعرقسوس والبقم فيرجع إلى المخالط فيضر التغير به بشرطه ، وإما أن لا يتحلل منه شيء كالعود والدهن ولو مطيبين فلا يضر التغير به بجيرمي على الإقناع وفي الكردي على شرح بافضل بعد نحو ذلك ما نصه ولك ضبط ذلك بعبارة أخرى بأن تقول : يشترط لضرر تغير الماء ستة شروط أن لا يكون تغيره بنفسه ، وأن يكون المغير مخالطا وأن يستغني الماء عنه وأن لا يشق الاحتراز عنه وأن يكون التغير كثيرا بحيث يمنع إطلاق اسم الماء عليه ، وأن لا يكون المغير ترابا ولا ملحا مائيا ، وهذا كله كما هو ظاهر في المغير الطاهر أما النجس فيتنجس ما وقع فيه مطلقا وإن لم يغيره حيث كان الماء دون القلتين ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله وإلا لم يضر إلخ ) عبارة المغني أما التغير بتراب تطهير النجاسة الكلبية ونحوها أو بتراب تهب به الريح أو طرح بلا قصد كأن ألقاه صبي قال الأذرعي فلا يضر جزما ا هـ وكذا في النهاية إلا قوله قال الأذرعي ( قوله إذ التغير ) إلى قوله وأصل هذا في النهاية ما يوافقه ( قوله إذ التغير إلخ ) مبتدأ خبره قوله مجرد تروح كردي وسم ( قوله ومنه إلخ ) أي من المجاور دخان الشيء الذي يتبخر به فلا يضر تغير الماء به .

                                                                                                                              ( قوله ولو احتمالا ) يعني أن كون البخور مجاورا وإن كان احتمالا لا تحقيقا لكنه كاف في عدم الضرورة ، وقوله بأنه إلخ أي البخور وقوله حتى من قال إنه يضر أي جزم بكونه مجاورا ، وقوله لكنه بناه أي هذا القول وقوله بين الريح وغيره يعني يقول إن المجاور الذي هو الرائحة يضر وغيره لا يضر كردي ( قوله : لأنه إلخ ) متعلق بلا ينافي إلخ وعلة لعدم المنافاة وقوله إذ المشاهدة إلخ متعلق بقوله لا مانع إلخ ( قوله أن ينفصل جرم إلخ ) انظر من أين لزم هنا انفصال جرم مجاور من جرم مخالط إلا أن يقال لزم من شمول البخار لدخان المخالط سم ( قوله على الشط ) أي بالقرب منه بحيث يصل ريحها إلى الماء لا أنها اتصلت به كردي ( قوله مجرد تروح ) قضيته أنه لو تغير لونه أو طعمه بالمجاور ضر ، وليس مرادا نعم إن تحلل منه شيء كما لو نقع التمر في الماء فاكتسب الحلاوة منه سلب الطهورية ع ش عبارة الرشيدي قضيته أن التغير بالمجاور لا يكون إلا تروحا ، وهو قول مرجوح مع أنه يناقض ما سيأتي له م ر قريبا في مسألة البخور فالوجه أنه م ر جرى في هذا التعليل على الغالب ا هـ .

                                                                                                                              وقوله ما سيأتي له إلخ يعني به قول النهاية ، ويظهر في الماء المبخر الذي غير البخور طعمه أو لونه أو ريحه عدم سلبه الطهورية ؛ لأنا لم نتحقق انحلال الأجزاء والمخالطة وإن بناه بعضهم على الوجهين في دخان النجاسة ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله وبالتراب ) ضبب بينه وبين قوله بالمجاور سم يعني أن ذلك عطف على هذا ( قوله مجرد كدورة ) قضيته أنه لو غير طعم الماء أو ريحه ضر وليس مرادا ع ش ( قوله وأما للتسهيل ) أي مغتفر للتسهيل أخذا من كلامه بعد أو مستثنى من غير المطلق للتسهيل كما في كلام المغني ، وبذلك يندفع قول سم [ ص: 74 ] يتأمل هذا العطف ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله فهو غير مطلق ) معتمد بجيرمي ( قوله وهو الأقعد ) أي القول بأن المتغير بالتراب غير مطلق أوفق بالقواعد باعتبار وجود التغير به فتعريف غير المطلق منطبق عليه بجيرمي ( قوله وأصل هذا ) أي الاختلاف في التراب أهو مخالط أو مجاور ( قوله هو ما لا يمكن فصله ) اقتصر المحلي على هذا القول جاز ما به ع ش ( قوله فخرج التراب ) ؛ لأنه يمكن فصله بعد رسوبه نهاية ومغني ( قوله أو ما لا يتميز إلخ ) أي بخلاف المجاور فيهما مغني ونهاية ( قوله ورجح شيخنا إلخ ) وكذا رجحه النهاية والمغني ( قوله وإن ذلك إلخ ) لعله بكسر الهمزة معطوف على قوله ورجح شيخنا إلخ ( قوله أن الأرجح من التعاريف إلخ ) جرى عليه النهاية والمغني ( قوله وقد يقال إلخ ) قد يمنع صحته وسنده البخور فإنه لا يمكن فصله كما هو ظاهر مع تميزه في رأي العين وبتسليم صحته فالاتحاد موقوف على صدق كلية العكس ، وليس كذلك لما أفاده آنفا في التراب بصري ( قوله فيتحدان ) أي الحدان الأولان وقوله فلا خلاف أي بين التعاريف الثلاثة للمخالط كردي ( قوله تنزيها ) إلى قوله فإن قلت في النهاية والمغني إلا قوله وقيل تحريما ( قوله وقيل تحريما ) وقيل لا يكره استعماله ، واختاره المصنف في بعض كتبه وبه قال الأئمة الثلاثة والمذهب الأول مغني أي الكراهة ( قوله شرعا لا طبا فحسب إلخ ) عبارة النهاية وهو أي كراهة المشمس شرعية لا إرشادية وفائدة ذلك الثواب .

                                                                                                                              ولهذا قال السبكي التحقيق أن فاعل الإرشاد لمجرد غرضه لا يثاب ولمجرد الامتثال يثاب ولهما يثاب ثوابا أنقص من ثواب من محض قصد الامتثال ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله شديد حر إلخ ) أي التطهير بأحدهما وملاقاته للبدن شرح بافضل ( قوله لمنعهما الإسباغ ) أي كمال الإتمام ، وإلا فلو منعا تمام الوضوء من أصله فلا تصح الطهارة وتحرم سم و ع ش ( قوله أو للضرر ) قضية التعليل الأول اختصاص الكراهة بالطهارة وقضية هذا التعليل الكراهة مطلقا ، وهو المعتمد شيخنا وبجيرمي ، وكذا في ع ش عن سم على المنهج ( قوله ينافي هذا ) أي كراهة استعمال شديد حر أو برد حديث وإسباغ الوضوء إلخ أي المفيد لطلبه ( قوله لأن ذاك ) أي ما أفاده الحديث من طلب الإسباغ على المكاره ( قوله على مكرهة ) بفتح الميم والراء وبضم الراء المشقة قاموس ( قوله وهذا مع قيدها ) أي والكراهة مقيدة بالشدة شيخنا .




                                                                                                                              الخدمات العلمية