الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      (وها هنا أبحاث) الأول في سر تقديم الضمير على الفعلين، وذكروا له وجوها، الدلالة على الحصر والاختصاص كما يشعر به عدول البليغ عما هو الأصل من غير ضرورة، ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه لا نعبد غيرك، وهو حقيقي، لا يستدعي رد خطإ المخاطب، والمقصود منه التبرئة عن الشرك، وتعريض بالمشركين، وتقديم ما هو مقدم في الوجود، فإنه تعالى مقدم على العابد والعبادة ذاتا، فقدم وضعا، ليوافق الوضع الطبع، وتنبيه العابد من أول الأمر على أن المعبود هو الله تعالى الحق، فلا يتكاسل في التعظيم، ولا يلتفت يمينا وشمالا، والاهتمام، فإن ذكره تعالى أهم للمؤمنين في كل حال لا سيما حال العبادة، لأنها محل وساوس الشيطان من الغفلة والكسل والبطالة، والتصريح من أول وهلة بأن العبادة له سبحانه، فهو أبلغ في التوحيد، وأبعد عن احتمال الشرك، فإنه لو أخر فقبل أن يذكر المفعول يحتمل أن تكون العبادة لغيره تعالى، والإشارة إلى حال العارف، وأنه ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولا وبالذات، وإلى العبادة من حيث أنها وصلة إليه، وراحلة تغد به عليه، فيبقى مستغرقا في مشاهدة أنوار جلاله مستقرا في فردوس أنوار جماله، وكم من فرق بين قوله تعالى للمحمديين [ ص: 88 ] فاذكروني أذكركم وبين قوله للإسرائيليين : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وبين ما حكى عن الحبيب من قوله : لا تحزن إن الله معنا وبين ما حكاه عن الكليم من قوله : إن معي ربي سيهدين الثاني في سر قوله نعبد دون أعبد، فقد قيل: هو الإشارة إلى حال العبد، كأنه يقول: إلهي، ما بلغت عبادتي إلى حيث أذكرها وحدها، لأنها ممزوجة بالتقصير، ولكن أخلطها بعبادة جميع العابدين، وأذكر الكل بعبارة واحدة حتى لا يلزم تفريق الصفقة، وقيل: النكتة في العدول إلى الإفراد التحرز عن الوقوع في الكذب، فإنا لم نزل خاضعين لأهل الدنيا متذللين لهم مستعينين في حوائجنا بمن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا حياة ولا موتا ولا نشورا، ويا ليت الفحل يهضم نفسه، فكيف يقول أحدنا: إياك أعبد، وإياك أستعين بالإفراد، ويمكن في الجمع أن يقصد تغليب الأصفياء المتقين من الأولياء، والمقربين، وقيل: لو قال: إياك أعبد، لكان ذلك بمعنى أنا العابد، ولما قال: إياك نعبد كان المعنى: أني واحد من عبيدك، وفرق بين الأمرين، كما يرشدك إليه قوله تعالى حكاية عن الذبيح عليه السلام : ستجدني إن شاء الله من الصابرين وقوله تعالى حكاية عن موسى : ستجدني إن شاء الله صابرا فصبر الذبيح لتواضعه بعد نفسه واحدا من جمع، ولم يصبر الكليم لإفراده نفسه، مع أن كلا منهما عليهما السلام قال: إن شاء الله، وقيل: الضمير في الفعلين للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري الجماعة، وقيل: هو من باب صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ، على ما ذكره الغزالي قدس سره، وقد تقدم، الثالث في سر تقديم فعل العبادة على فعل الاستعانة، وله وجوه: الأول أن العبادة أمانة كما قال تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان فاهتم للأداء، فقدم، الثاني أنه لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحا، واعتدادا منه بما صدر عنه، فعقبه بقوله : وإياك نستعين ليدل على أن العبادة مما لا تتم إلا بمعونة وتوفيق وإذن منه سبحانه، الثالث أن العبادة مما يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، والاستعانة ليست كذلك، فالأول أهم، الرابع أنها وسيلة، فتقدم على طلب الحاجة، لأنه أدعى للإجابة.

                                                                                                                                                                                                                                      (الخامس) أنها مطلوبة لله تعالى من العبادة، والاستعانة مطلوبهم منه سبحانه، فتقديم العبد ما يريده مولاه منه أدل على صدق العبودية من تقديم ما يريده من مولاه، السادس أن العبادة واجبة حتما لا مناص للعباد عن الإتيان بها، حتى جعلت كالعلة لخلق الإنس والجن، فكانت أحق بالتقديم، السابع أنها أشد مناسبة بذكر الجزاء، والاستعانة أقوى التئاما بطلب الهداية، الثامن أن مبدأ الإسلام التخصيص بالعبادة، والخلوص من الشرك، والتخصيص بالاستعانة بعد الرسوخ، التاسع أن في تأخير فعل الاستعانة توافق رؤوس الآي، العاشر أن أحدهما إذا كان مرتبطا بالآخر لم يختلف التقديم والتأخير كما يقال: قضيت حقي، فأحسنت إلي، وأحسنت إلي فقضيت حقي.

                                                                                                                                                                                                                                      (الحادي عشر) أن مقام السالكين ينتهي عند قوله: إياك نعبد وبعده يطلب التمكين، وذلك أن الحمد مبادي حركة المريد، فإن نفس السالك إذا تزكت ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فيها أنوار العناية الموجبة للولاية تجردت النفس الزكية للطلب فرأت آثار نعم الله تعالى عليها سابغة، وألطافه غير متناهية، فحمدت على ذلك، وأخذت في الذكر، فكشف لها الحجاب من وراء أستار العزة عن معنى رب العالمين، فشاهدت ما سوى الله سبحانه على شرف الفناء مفتقرا إلى المبقي محتاجا إلى التربية، فترقت لطلب الخلاص من وحشة الإدبار وظلمة السكون إلى الأغيار فهبت لها من نفحات جناب القدس نسائم ألطاف الرحمن الرحيم، فعرجت للمعات بوارق الجلال من وراء سجاف الجمال إلى الملك الحقيقي، فنادت بلسان الاضطرار في مقام لمن الملك اليوم لله الواحد القهار أسلمت نفسي إليك، وأقبلت بكليتي عليك، وهناك خاضت لجة الوصول، وانتهت إلى مقام العين، فحققت نسبة العبودية، فقال إياك نعبد وهنا انتهاء مقام السالك. [ ص: 89 ] ألا يرى إلى سيد الخلق وحبيب الحق كيف عبر عن مقامه هذا بقوله : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا فطلب التمكين بقوله : وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم واستعاذ عن التلوين بقوله: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فصعد مستكملا، ورجع مكملا، وكأنه لهذا سميت الصلاة معراج المؤمنين، البحث الرابع في سر الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وقد ازدحمت فيه أذهان العلماء بعد بيان نكتته العامة، وهي التفنن في الكلام، والعدول من أسلوب إلى آخر تطرية له، وتنشيطا للسامع، فقيل: لما ذكر الحقيق بالحمد، ووصف بصفات عظام تميز بها عن سائر الذوات، وتعلق العلم بمعلوم معين، خوطب بذلك ليكون أدل على الاختصاص والترقي من البرهان إلى العيان، والانتقال من الغيبة إلى الشهود، وكأن المعلوم صار عيانا، والمعقول مشاهدا، والغيب حضورا، وقيل: لما شرح الله تعالى صدر عبده، وأفاض على قلبه، وقالبه نور الإيمان والإسلام من عنده، ترقى بذريعة الحمد المستجاب لمزيد النعم إلى رتبة الإحسان، وهو (أن تعبد الله تعالى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)، وأيضا حقيقة العبادة انقياد النفس الأمارة لأحكام الله تعالى وصورته، وقالبه الإسلام، ومعناه وروحه الإيمان، ونوره ونوره الإحسان، وفي (نعبد) والالتفات تتم الأمور الثلاثة، وأيضا لما تبين أنه ملك في الأزل ما في أحايين الأبد علم أن الشاهد والغائب والماضي والمستقبل بالنسبة إليه على حد سواء، فلذلك عدل عن الغيبة إلى الخطاب، ويحتمل أن يكون السر أن الكلام من أول السورة إلى هنا ثناء، والثناء في الغيبة أولى، ومن هنا إلى الآخر دعاء، وهو في الحضور أولى، والله تعالى حي كريم، وقيل: إنه لما كان الحمد لا يتفاوت غيبة وحضورا بل هو مع ملاحظة الغيبة أدخل وأتم، وكانت العبادة إنما يستحقها الحاضر الذي لا يغيب كما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السلام فلما أفل قال لا أحب الآفلين لا جرم عبر سبحانه وتعالى عن الحمد بطريق الغيبة، وعنها بطريق الخطاب إعطاء لكل منهما ما يليق من النسق المستطاب، وأيضا من تشبه بقوم فهو منهم، فالعابد لما رام ذلك سلك مسلك القوم في الذكر، ومزج عبادته بعبادتهم، وتكلم بلسانهم، وساق كلامه على طبق مساقهم عسى أن يصير محسوبا في عدادهم، مندرجا في سياقهم.


                                                                                                                                                                                                                                      إن لم تكونوا منهم فتشبهوا إن التشبه بالكرام فلاح

                                                                                                                                                                                                                                      وأيضا فيه إشارة إلى أن من لزم جادة الأدب، والانكسار، ورأى نفسه بعيدا عن ساحة القرب لكمال الاحتقار فهو حقيق أن تدركه رحمة إلهية، وتلحقه عناية أزلية، تجذبه إلى حظائر القدس، وتطلعه على سرائر الأنس، فيصير واطئا على بساط الاقتراب، فائزا بعز الحضور، وسعادة الخطاب، وأيضا أنه لما لم يكن في الحمد مزيد كلفة بخلاف العبادة، فإن خطبها عظيم، ومن أدب المحب تحمل المشاق العظيمة في حضور المحبوب، قرن سبحانه العبادة بما يشعر بحضوره، ليأتي بها العابد خالية عن الكلال عارية عن الفتور والملال، مقرونة بكمال النشاط، موجبة لتمام الانبساط.


                                                                                                                                                                                                                                      حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي     فأنت بمرأى من سعاد ومسمع

                                                                                                                                                                                                                                      وأيضا إن الحمد ليس إلا إظهار صفات الكمال على الغير، فما دام للأغيار وجود في نظر السالك فهو يواجههم بإظهار مزايا المحبوب عليهم، ويخاطبهم بذكر مآثره الجميلة لديه، وأما إذا آل أمره بملازمة الأذكار إلى ارتفاع الحجب والأستار واضمحلال جميع الأغيار لم يبق في نظره سوى المعبود الحق، والجمال المطلق، وانتهى إلى مقام الجمع، وصار في مقعد فأينما تولوا فثم وجه الله فبالضرورة لا يصير توجيه الخطاب إلا إليه، ولا يمكن إظهار السر إلا لديه، فينعطف عنان لسانه إلى جنابه، ويصير كلامه منحصرا في خطابه، وثم وراء الذوق معنى يدق عن مدارك أرباب العقول السليمة [ ص: 90 ] وعندي وهو من نسائم الأسحار أن الله سبحانه بعد أن ذكر يوم الدين وهو يوم القيامة التفت إلى الخطاب للإشارة إلى أنه إذا قامت القيامة على ساق، وكان إلى ربك يومئذ المساق هنالك يفوز المؤمن بلذة الحضور، ويتبلج جبينه بأنوار الفرح والسرور، ويخلو به الديان، وليس بينه وبينه ترجمان، ويكشف الحجاب، وتدور بين الأحباب كؤوس الخطاب، فتأمل في عظيم الرحمة، كيف قرن سبحانه هذا الترهيب برحمتين، فصرح قبل يوم الدين بما صرح، ورمز بعد ذكره بما رمز، ولن يغلب عسر يسرين،

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية