الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 42 ]

715 . واعمل بما تسمع في الفضائل والشيخ بجله ولا تثاقل      716 . عليه تطويلا بحيث يضجر
ولا تكن يمنعك التكبر      717 . أو الحيا عن طلب واجتنب
كتم السماع فهو لؤم واكتب      718 . ما تستفيد عاليا ونازلا
لا كثرة الشيوخ صيتا عاطلا      719 . ومن يقل إذا كتبت قمش
ثم إذا رويته ففتش      720 . فليس من ذا والكتاب تمم
سماعه لا تنتخبه تندم      721 . وإن يضق حال عن استيعابه
لعارف أجاد في انتخابه      722 . أو قصر استعان ذا حفظ فقد
كان من الحفاظ من له يعد      723 . وعلموا في الأصل إما خطا
أو همزتين أو بصاد أو طا

التالي السابق


وليستعمل الطالب ما سمع من الحديث في فضائل الأعمال ، فقد روينا في حديث علي : أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما ينفي عني حجة الجهل ؟ قال : العلم . قال : فما ينفي عني حجة العلم ؟ قال : العمل .

وروينا عن بشر بن الحارث ، قال : يا أصحاب الحديث! أدوا زكاة هذا الحديث ، اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث [ ص: 43 ] .

وروينا عن عمرو بن قيس الملائي ، قال : إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ، - ولو مرة - تكن من أهله . وروينا عن وكيع ، قال : إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به وروينا عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ، قال كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به وروينا عن أحمد بن حنبل ، قال ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به ، حتى مر بي في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى أبا طيبة دينارا ، فأعطيت الحجام دينارا حين احتجمت وليبجل الطالب الشيخ ، فقد روينا عن مغيرة ، قال كنا نهاب إبراهيم ، كما نهاب الأمير وروينا عن البخاري قال ما رأيت أحدا أوقر للمحدثين من يحيى بن معين . وليحذر من التثقيل عليه لئلا يضجره ويمله . قال الخطيب : وإذا حدثه فيجب أن يأخذ منه العفو ولا يضجره . قال : والإضجار يغير الأفهام ، ويفسد الأخلاق ، ويحيل الطباع ، وقد كان إسماعيل بن أبي خالد من أحسن الناس خلقا ، فلم يزالوا به حتى ساء خلقه . وروينا عن محمد بن سيرين : أنه سأله رجل عن حديث وقد أراد أن يقوم ، فقال : إنك إن كلفتني ما لم أطق ، [ ص: 44 ] ساءك ما سرك مني من خلق . قال ابن الصلاح : "يخشى على فاعل ذلك أن يحرم الانتفاع" .

قلت : وقد جربت ذلك ، فإن شيخنا أبا العباس أحمد بن عبد الرحمن المرداوي ، كان كبر وعجز عن الإسماع حتى كنا نتألفه على قراءة الشيء اليسير ، فقرأ عليه بعض أصحابنا فيما بلغني "العمدة " بإجازته من ابن عبد الدائم وأطال عليه فأضجره فكان يقول له الشيخ : لا أحياك الله أن ترويها عني ، أو نحو ذلك ، فمات الطالب بعد قليل ، ولم ينتفع بما سمعه عليه .

وليحذر الطالب أن يمنعه التكبر ، أو الحياء عن طلب العلم ، فقد ذكر البخاري عن مجاهد قال : "لا ينال العلم مستحي ، ولا مستكبر" ، وليتجنب الطالب أن يظفر بشيخ ، أو بسماع لشيخ فيكتمه لينفرد به عن أضرابه ، فذلك لؤم من فاعله ، على أنه قد روينا فعل ذلك عن جماعة من الأئمة المتقدمين ، كشعبة وسفيان الثوري ، وهشيم ، والليث ، وابن جريج ، وسفيان بن عيينة ، وابن لهيعة ، وعبد الرزاق ، فالله أعلم بمقاصدهم في ذلك . وروينا عن مالك قال : من بركة الحديث إفادة بعضهم بعضا [ ص: 45 ] ، ونحوه عن ابن المبارك ويحيى بن معين . وروينا عن يحيى بن معين ، قال : من بخل بالحديث ، وكتم على الناس سماعهم ، لم يفلح . وروينا عن إسحاق بن راهويه ، قال : قد رأينا أقواما منعوا هذا السماع ، فوالله ما أفلحوا ولا أنجحوا . قال الخطيب : "والذي نستحبه إفادة الحديث لمن لم يسمعه والدلالة على الشيوخ والتنبيه على رواياتهم ، فإن أقل ما في ذلك النصح للطالب ، والحفظ للمطلوب ، مع ما يكتسب به من جزيل الأجر ، وجميل الذكر" ، ثم روى بإسناده إلى ابن عباس رفعه ، قال : إخواني تناصحوا في العلم ولا يكتم بعضكم بعضا ، فإن خيانة الرجل في علمه ، أشد من خيانته في ماله ، ثم روى عن الثوري قال : ليفد بعضكم بعضا ، وهذا يدل على أن ما روي عنه وعمن تقدم ذكره من الأئمة مما يخالف ذلك محمول على كتمه عمن لم يروه أهلا ، أو على من لم يقبل الصواب إذا أرشد إليه ، أو نحو ذلك .

وقد قال الخطيب : "من أداه - لجهله - فرط التيه والإعجاب إلى المحاماة عن الخطأ والمماراة في الصواب ، فهو بذلك الوصف مذموم مأثوم ، ومحتجز الفائدة عنه غير مؤنب ولا ملوم" [ ص: 46 ] .

وروينا عن الخليل بن أحمد أنه قال لأبي عبيدة معمر بن المثنى : لا تردن على معجب خطأ ، فيستفيد منك علما ، ويتخذك به عدوا .

ولتكن همة الطالب تحصيل الفائدة ، سواء وقعت له بعلو أم بنزول ولا يأنف أن يكتب عمن هو دونه ما يستفيده . روينا عن سفيان ووكيع قالا : لا يكون الرجل من أهل الحديث ، حتى يكتب . وقال وكيع : لا يكون عالما حتى يأخذ عمن هو فوقه ، وعمن هو دونه ، وعمن هو مثله . وكان ابن المبارك يكتب عمن هو دونه ، فقيل له ، فقال : لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم تقع لي .

وليحذر الطالب أن تكون همته تكثير الشيوخ لمجرد اسم الكثرة وصيتها ، قال ابن الصلاح : وليس بموفق من ضيع شيئا من وقته في ذلك .

وروينا عن عفان أنه سمع قوما يقولون : نسخنا كتب فلان ، فقال : هذا الضرب من الناس ، لا يفلحون . كنا نأتي هذا فنسمع منه ما ليس عند هذا ، ونسمع من هذا ما ليس عند هذا ، فقدمنا الكوفة ، فأقمنا أربعة أشهر ، ولو أردنا أن نكتب مائة ألف حديث ، لكتبناها ، فما كتبنا إلا قدر خمسة آلاف حديث ، وما رضينا من أحد إلا بالإملاء ; إلا شريك فإنه أبى علينا . قال ابن الصلاح : "وليس من ذلك قول أبي [ ص: 47 ] حاتم الرازي : إذا كتبت فقمش ، وإذا حدثت ففتش" . والتقميش والقمش أيضا : جمع الشيء من ها هنا وها هنا . ولم يبين ابن الصلاح ما المراد بذلك ، وكأنه أراد : اكتب الفائدة ممن سمعتها ولا تؤخر ذلك حتى تنظر فيمن حدثك ، أهو أهل أن يؤخذ عنه أم لا ؟ فربما فات ذلك (1) بموت الشيخ أو سفره ، أو سفرك . فإذا كان وقت الرواية عنه ، أو وقت العمل بذلك ، ففتش حينئذ . وقد ترجم عليه الخطيب : باب من قال : يكتب عن كل أحد .

ويحتمل : أن مراد أبي حاتم استيعاب الكتاب المسموع ، وترك انتخابه ، أو استيعاب ما عند الشيخ وقت التحمل ، ويكون النظر فيه حالة الرواية . وقد يكون قصد المحدث تكثير طرق الحديث ، وجمع أطرافه ، فيكثر لذلك شيوخه ولا بأس بذلك . فقد روينا عن أبي حاتم قال : لو لم نكتب الحديث من ستين وجها ما عقلناه . وقد وصف بالإكثار من الشيوخ سفيان الثوري ، وأبو داود الطيالسي ، ويونس بن محمد المؤدب ، ومحمد بن يونس الكديمي ، وأبو عبد الله ابن منده ، والقاسم بن داود البغدادي ، روينا عنه قال : كتبت عن ستة آلاف شيخ .

وينبغي للطالب أن يسمع ، ويكتب ما وقع له من كتاب ، أو جزء على التمام ، ولا ينتخبه ، فربما احتاج بعد ذلك إلى رواية شيء منه لم يكن فيما انتخبه منه ، فيندم ، [ ص: 48 ] وقد روينا عن ابن المبارك قال : ما انتخبت على عالم قط ، إلا ندمت . وروينا عنه قال : ما جاء من منتق خير قط . وروينا عن يحيى بن معين قال : صاحب الانتخاب يندم ، وصاحب النسخ لا يندم . وقد فرق الخطيب في ذلك بين أن يكون الشيخ عسرا ، والطالب واردا غريبا ; فقال : إذا كان المحدث مكثرا وفي الرواية معسرا ، فينبغي للطالب أن ينتقي حديثه ، وينتخبه ، فيكتب عنه ما لا يجده عند غيره ، ويتجنب المعاد من رواياته قال : وهكذا حكم الواردين من الغرباء الذين لا يمكنهم طول الإقامة والثواء . قال : وأما متى لم يتميز للطالب معاد حديثه من غيره ، وما يشارك في روايته مما ينفرد به ، فالأولى أن يكتب حديثه على الاستيعاب دون الانتقاء والانتخاب . انتهى . وإليه أشرت بقولي : (وإن يضق حال عن استيعابه) أي : لعسر الشيخ ، أو لكون الشيخ ، أو الطالب واردا غير مقيم ، ونحو ذلك .

وقولي : (لعارف) أي : بجودة الانتخاب فقد روينا عن يحيى بن معين قال : دفع إلي ابن وهب كتابين عن معاوية بن صالح خمسمائة أو ستمائة حديث ، فانتقيت شرارها لم يكن لي بها يومئذ معرفة [ ص: 49 ] .

وإن قصر الطالب عن معرفة الانتخاب وجودته ، فقال الخطيب : "ينبغي أن يستعين ببعض حفاظ وقته على انتقاء ما له غرض في سماعه وكتبه . ثم ذكر من المعروفين بحسن الانتقاء أبا زرعة الرازي ، وأبا عبد الرحمن النسائي ، وإبراهيم بن أورمة الأصبهاني ، وعبيدا العجل ، وأبا بكر الجعابي ، وعمر البصري ، ومحمد بن المظفر ، والدارقطني ، وأبا الفتح ابن أبي الفوارس ، وأبا القاسم هبة الله بن الحسن الطبري اللالكائي .

وقولي : (وعلموا في الأصل) . هذا بيان لما جرت به عادة الحفاظ من تعليمهم في أصل الشيخ على ما انتخبوه . وفائدته لأجل المعارضة أو ليمسك الشيخ أصله ، أو لاحتمال ذهاب الفرع ، فينقل من الأصل ، أو يحدث من الأصل بذلك المعلم عليه .

واختياراتهم لصورة العلامة مختلفة ، ولا حرج في ذلك ، فكان الدارقطني يعلم بخط عريض ، بالحمرة في الحاشية اليسرى ، وكان اللالكائي يعلم على أول إسناد الحديث بخط صغير ، بالحمرة . وهذا الذي استقر عليه عمل أكثر المتأخرين وكان أبو الفضل علي بن الحسن الفلكي يعلم بصورة همزتين بحبر في الحاشية اليمنى . وكان أبو الحسن علي بن أحمد النعيمي يعلم صادا ممدودة بحبر في الحاشية اليمنى ، أيضا . وكان أبو محمد الخلال يعلم طاء ممدودة كذلك . وكان محمد بن طلحة النعالي يعلم بحاءين إحداهما إلى جنب الأخرى كذلك .




الخدمات العلمية