الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( سؤال ) ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم { صلة الرحم تزيد في العمر } وقوله عليه السلام { من سره السعة في الرزق والنساء في الأجل فليصل رحمه } مع أن المقدرات لا تزيد ولا تنقص وقد قدر الله تعالى جميع الممكنات ما وجد منها وما لم يوجد في الأزل فتعلقت إرادته القديمة الأزلية بوجود كل ممكن أراد وجوده وبعدم كل ممكن أراد بقاءه على العدم الأصلي أو أراد عدمه بعد وجوده فجميع الجائزات وجودا أو عدما قد نفذت فيها مشيئته سبحانه وتعالى فكيف بقيت الزيادة بعد ذلك بتيسير سبب من الأسباب .

( جوابه ) من العلماء من يقول : إنما ذلك بزيادة البركة فيما قدر في الأزل من الرزق والأجل .

وأما نفس الأجل والرزق المقدرين فلا يقبلان الزيادة قلت : وهذا الجواب عندي ضعيف بسبب أن البركة أيضا من جملة المقدرات فإن كان القدر مانعا من الزيادة فليمنع من البركة في العمر والرزق كما منع من الزيادة فيهما بل هذا الجواب يلزم منه مفسدتان : أحدهما إيهام أن البركة خرجت عن القدر فإن المجيب قد صرح بأن تعلق القدر مانع فحيث لا مانع لا قدر وهذا رديء جدا وثانيهما أنه يقل الرغبة في صلة الرحم بالنسبة لظاهر اللفظ فإنا إذا قلنا لزيد إن وصلت رحمك زادك الله تعالى في عمرك عشرين سنة فإنه يجد من الوقع لذلك ما لا يجده من قولنا إنه لا يزيدك الله تعالى بذلك يوما واحدا بل يبارك لك في عمرك فقط فيختل المعنى الذي قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 148 ] من المبالغة في الحث على صلة الرحم والترغيب فيها بل الحق أن الله تعالى قدر له ستين سنة مرتبة على الأسباب العادية من الغذاء والتنفس في الهواء ورتب له عشرين سنة أخرى مرتبة على هذه الأسباب وصلة الرحم .

وإذا جعلها الله تعالى سببا أمكن أن يقال : إنها تزيد في العمر حقيقة كما نقول الإيمان يدخل الجنة والكفر يدخل النار بالوضع الشرعي لا بالاقتضاء العقلي ومتى علم المكلف أن الله تعالى نصب صلة الرحم سببا لزيادة النساء في العمر بادر إلى ذلك كما يبادر لاستعمال الغذاء وتناول الدواء والإيمان رغبة في الجنان ويفر من الكفر رهبة من النيران وبقي الحديث على ظاهره من غير تأويل يخل بالحديث على ما تقدم وكذلك القول في الرزق حرفا بحرف وكذلك نقول الدعاء يزيد في العمر والرزق ويدفع الأمراض ويؤخر الآجال وغير ذلك مما شرع فيه الدعاء فهو من القدر ولا يخل بشيء من القدر بل ما رتب الله سبحانه مقدورا إلا على سبب عادي ولو شاء لما ربطه به ومن هذا الباب الجواب عن سؤال صعب ورد في قوله تعالى { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء } فقال بعض الفقهاء : هنا سؤال وهو أنه عليه السلام إذا علم الغيب والذي في الغيب هو الذي قدره الله تعالى له من الخير فكيف يستكثر من الخير على تقدير الاطلاع على الغيب بل لو قدر الاطلاع على الغيب لبقي على ما هو فيه من الخير والجواب عنه أن الله تعالى قدر الخير والشر في الدنيا والآخرة وجعل لكل مقدور سببا يترتب عليه ويرتبط به ومن جملة الأسباب الأسباب التي جرت عادة الله تعالى بها من العلوم والجهالات فالجهل سبب عظيم في العالم لمفاسد من أمور الدنيا والآخرة وفوات المصالح والعلم سبب عظيم لتحصيل مصالح ودرء مفاسد في الدنيا والآخرة فالملك الذي دفع له السم فأكله فمات منه كيدا من أعدائه إنما قدر الله تعالى أن يموت بالسم مع جهله بتناوله أما لو علمه لم يتناوله .

وكذلك أن الله تعالى إذا كان قد قدر نجاته منه قدر اطلاعه عليه فيسلم فيكون سبب سلامته علمه به فالمقدر على تقدير الجهل نحن نمنع أنه مقدر على تقديره العلم بل المقدر على تقدير العلم ضده فالرزق الحقير إنما قدره الله تعالى لأهله على تقدير جهلهم بالكنوز وعمل الكيمياء وغير ذلك من أسباب الرزق أما مع العلم بهذه الأسباب العظيمة الموجبة في مجرى العادة سعة الرزق فلا نسلم أن الله تعالى قدر ضيق الرزق على هذا التقدير كما نقول ما قدر الله من دخول المؤمنين الجنة إلا على تقدير الإيمان أما مع عدمه فلا نسلم أن الله تعالى قدر لهم الجنة وما قدر للكفار النار إلا على تقدير جهلهم بالله تعالى أما على تقدير علمهم به تعالى فلا نسلم أنه قدر لهم النار وعلى هذه الطريقة يتضح لك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو اطلع على الغيب لذهبت عنه جهالات كثيرة كثر عنده من الخير ما لم يكن عنده الآن وما مسه السوء ولقد نجزم أن المحنة في أحد وقتل حمزة وغيره إنما قدرها الله تعالى [ ص: 149 ] بسبب عدم العلم بأمور وعواقبها في ذلك اليوم ولو قدر حصول العلم بعواقب ذلك اليوم لكان الأمر على خلاف ذلك وبالجملة فقد كثرت لك النظائر لتستيقظ لهذه القاعدة وسر القضاء والقدر فيندفع السؤال وهو موضع حسن .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( فائدتان ) : الأولى معنى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم { صلة الرحم تزيد في العمر } وقوله عليه الصلاة والسلام { من سره السعة في الرزق والنسأ في الأجل فليصل رحمه } هو أن الله تعالى نصب صلة الرحم سببا بالوضع الشرعي لا بالقضاء العقلي لزيادة النسإ في العمر ولسعة الرزق كما نصب بهذا الوضع الشرعي الإيمان سببا في دخول الجنة والكفر سببا في دخول النار ونصب بالوضع العادي لا بالاقتضاء العقلي الأسباب العادية من الغذاء والتنفس في الهواء والأدوية وجعلها أسبابا في الحياة وإذا جعل الله صلة الرحم سببا لذلك أمكن أن يقال : إنها تزيد في العمر وتوسع في الرزق حقيقة كما نقول : الإيمان يدخل الجنة والكفر يدخل النار ومتى علم المكلف أن الله تعالى نصب صلة الرحم سببا لذلك بادر إليها رغبة في زيادة العمر وسعة الرزق كما يبادر لاستعمال الغذاء وتناول الدواء رغبة في الحياة وللإيمان رغبة في الجنان ويفر من الكفر رهبة من النيران ومن هذا القبيل قولنا الدعاء يزيد في العمر والرزق ويدفع الأمراض ويؤخر الآجال وغير ذلك مما شرع فيه [ ص: 167 ] الدعاء فهو من القدر ولا يخل بشيء من القدر بل ما رتب الله سبحانه مقدورا إلا على سبب عادي ولو شاء لما ربطه به فاندفع ما .

قيل : إن المقدرات لا تزيد ولا تنقص وقد قدر الله تعالى جميع الممكنات ما وجد منها وما لم يوجد في الأزل فتعلقت إرادته القديمة الأزلية بوجود كل ممكن أراد وجوده وبعدم كل ممكن أراد بقاءه على العدم الأصلي أو أراد عدمه بعد وجوده فجميع الجائزات وجودا أو عدما قد نفذت فيها مشيئته سبحانه وتعالى فكيف بقيت الزيادة بعد ذلك بتيسر سبب من الأسباب ولم يحتج إلى الجواب بأن ذلك إنما هو بزيادة البركة فيما قدر في الأزل من الرزق والأجل وأما نفس الأجل والرزق المقدرين فلا يقبلان الزيادة على أن هذا الجواب أولا ضعيف بسبب أن البركة أيضا من جملة المقدرات فإن كان القدر مانعا من الزيادة فليمنع من البركة في العمر والرزق كما منع من الزيادة فيهما وثانيا يلزم منه مفسدتان : إحداهما إيهام أن البركة خرجت عن القدر لتصريح المجيب بأن تعلق القدر مانع فحيث لا مانع لا قدر وهذا رديء جدا وثانيتهما اختلال المعنى الذي قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم من المبالغة في الحث على صلة الرحم والترغيب فيها إذ عليه تكون الرغبة في صلة الرحم بالنسبة لظاهر اللفظ فإنا إذا قلنا لزيد : إن وصلت رحمك زادك الله تعالى في عمرك عشرين سنة فإنه يجد من الوقوع لذلك ما لا يجده من قولنا إنه لا يزيدك الله تعالى بذلك يوما واحدا بل يبارك لك في عمرك فقط وبالجملة فالقاعدة أن الله تعالى قدر الخير والشر في الدنيا والآخرة وجعل لكل مقدر سببا يترتب عليه ويرتبط به ومن جملة الأسباب التي جرت عادة الله تعالى بها من العلوم والجهالات .

فالجهل سبب عظيم في العالم لمفاسد من أمور الدنيا والآخرة وفوات المصالح والعلم سبب عظيم لتحصيل مصالح ودرء مفاسد في الدنيا والآخرة مثلا الملك الذي دفع له أعداؤه السم فأكله فمات منه كيدا منهم لما قدر الله تعالى أن يموت به ربطه بسبب جهله بتناوله وقدر ذلك السبب فلو قدر نجاته منه لقدر اطلاعه عليه فيسلم فيكون سبب سلامته علمه به فليس المقدر على تقدير العلم هو عين المقدر على تقدير الجهل بل ضده ألا ترى أن الرزق الحقير إنما قدره الله تعالى لأهله على تقدير جهلهم بالكنوز وعمل الكيمياء وغير ذلك [ ص: 168 ] من أسباب الرزق .

أما مع العلم بهذه الأسباب العظيمة الموجبة في مجرى العادة سعة الرزق فلا نسلم أن الله تعالى قدر ضيق الرزق على هذا التقدير أعني تقدير العلم بنحو الكنوز وعمل الكيمياء أيضا كما نقول ما قدر الله دخول المؤمنين الجنة إلا على تقدير الإيمان ولا نسلم أن الله تعالى قدر لهم مع عدمه الجنة كيف وقد قال : الله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وما قدر للكفار النار إلا على تقدير جهلهم بالله تعالى ولا نسلم أنه تعالى قدرها لهم على تقدير علمهم به فظهر أن معنى قوله تعالى حكاية عن نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء } أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لو قدر حصول العلم له بعواقب يوم أحد مثلا لكثر عنده من الخير ما لم يكن عنده الآن وما مسه السوء أي المحنة فيه وقتل حمزة واندفع قول بعض الفقهاء إنه عليه الصلاة والسلام إذا علم الغيب والذي في الغيب هو الذي قدره الله تعالى له من الخير فكيف يستكثر من الخير على تقدير الاطلاع على الغيب بل لو قدر الاطلاع على الغيب لبقي على ما هو فيه من الخير قلت : والظاهر أن المراد بعلم عواقب يوم أحد الذي لم يحصل له صلى الله تعالى عليه وسلم العلم التفصيلي لا الإجمالي لحصوله له صلى الله تعالى عليه وسلم كما يشهد ما في حياة الحيوان للدميري { أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال قبل خروجه لقتال المشركين بأحد إني رأيت في منامي بقرا فأولتها خيرا تذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولتها هزيمة ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة فافعلوا } . ا هـ .

المراد فتأمل ويوضح ذلك ما قاله الشيخ أحمد رضاخان البر يلوي في كتابه الدولة المكية بالمادة الغيبية مما حاصله أن العلم بالغيب على أربعة أقسام : الأول العلم المطلق التفصيلي المشار إليه بقوله تعالى { وكان الله بكل شيء عليما } وهذا مختص بالله تعالى والثلاثة الباقية أعني العلم المطلق الإجمالي ومطلق العلم الإجمالي والتفصيلي فغير مختصات به تعالى أما المطلق الإجمالي فحصوله للعباد بديهي عقلا وضروري دينا فإنا آمنا أنه تعالى بكل شيء عليم ولاحظنا بقولنا كل شيء جميع معلومات الله سبحانه وتعالى فعلمناها جميعا علما إجماليا ومعلوم أن بثبوت العلم المطلق الإجمالي ثبوت مطلق العلم الإجمالي بل وكذلك التفصيلي منه فإنا آمنا بالقيامة وبالجنة وبالنار وبالله تعالى وبالأمهات السبع من صفاته عز وجل وكل ذلك غيب وقد علمنا كلا بحياله ممتازا عن غيره فوجب حصول مطلق العلم التفصيلي بالغيوب [ ص: 169 ] لكل مؤمن فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالعلم الذي يختص به تعالى ليس إلا العلم الذاتي والعلم المطلق التفصيلي المحيط بجميع المعلومات الإلهية بالاستغراق الحقيقي فهما المراد أن في آيات النفي والعلم الذي يصح إثباته للعباد هو العلم العطائي سواء كان العلم المطلق الإجمالي أو مطلق العلم التفصيلي والتمدح إنما يقع بهذا فهو المراد في آيات الإثبات قال : تعالى { وعلمناه من لدنا علما } وقال : تعالى { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } إلى غير ذلك من آيات كثيرة ا هـ المراد فانظره إن شئت .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( المسألة العاشرة ) في بيان الواجب من صلة الرحم قال الشيخ الطرطوشي : قال بعض العلماء إنما تجب صلة الرحم إذا كان هناك محرمية وهما كل شخص لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لم يتناكحا كالآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأجداد والجدات وإن علوا والأولاد وأولادهم وإن سفلوا والأعمام والعمات والأخوال والخالات فأما أولاد هؤلاء فليست الصلة بينهما واجبة كجواز المناكحة بينهم ويدل على صحة هذا القول تحريم الجمع بين الأختين والمرأة وعمتها وخالتها لما فيه من قطيعة الرحم وترك الحرام واجب وبرهما وترك إذايتهما واجبة ويجوز الجمع بين بنتي العم وبنتي الخال وإن كن يتغايرن ويتقاطعن وما ذاك إلا أن صلة الرحم بينهما ليست بواجبة وقد لاحظ أبو حنيفة هذا المعنى في التراجع في الهبة فقال بتحريمه بين كل ذي رحم محرم .




الخدمات العلمية