الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 490 ] القول في تأويل قوله تعالى ذكره : ( إن كنتم صادقين ( 31 ) )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في ذلك .

671 - فحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " إن كنتم صادقين " إن كنتم تعلمون لم أجعل في الأرض خليفة .

672 - وحدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " إن كنتم صادقين " أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء .

673 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا حجاج ، عن جرير بن حازم - ومبارك عن الحسن - وأبي بكر عن الحسن وقتادة - قالا " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " أني لم أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه ، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين .

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ، تأويل ابن عباس ومن قال بقوله . ومعنى ذلك : فقال أنبئوني بأسماء من عرضته عليكم أيتها الملائكة القائلون : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء من غيرنا ، أم منا ؟ فنحن نسبح بحمدك [ ص: 491 ] ونقدس لك ؟ إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني ذريته وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، وإن جعلتكم فيها أطعتموني ، واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس . فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم عليكم من خلقي ، وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم ، وعلمه غيركم بتعليمي إياه ، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بعد ، وبما هو مستتر من الأمور - التي هي موجودة - عن أعينكم أحرى أن تكونوا غير عالمين ، فلا تسألوني ما ليس لكم به علم ، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي .

وهذا الفعل من الله جل ثناؤه بملائكته - الذين قالوا له : " أتجعل فيها من يفسد فيها " من جهة عتابه جل ذكره إياهم - نظير قوله جل جلاله لنبيه نوح صلوات الله عليه إذ قال : ( رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ) [ سورة هود : 45 ] - : فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين [ سورة هود : 46 ] . فكذلك الملائكة سألت ربها أن تكون خلفاءه في الأرض ليسبحوه ويقدسوه فيها ، إذ كان ذرية من أخبرهم أنه جاعله في الأرض خليفة ، يفسدون فيها ويسفكون الدماء ، فقال لهم جل ذكره : " إني أعلم ما لا تعلمون " يعني بذلك : إني أعلم أن بعضكم فاتح المعاصي وخاتمها ، وهو إبليس ، منكرا بذلك تعالى ذكره قولهم . ثم عرفهم موضع هفوتهم في قيلهم ما قالوا من ذلك ، بتعريفهم قصور علمهم عما هم له شاهدون عيانا ، فكيف بما لم يروه ولم يخبروا عنه ؟ بعرضه ما عرض عليهم من خلقه الموجودين يومئذ ، وقيله لهم : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " [ ص: 492 ] أنكم إن استخلفتكم في أرضي سبحتموني وقدستموني ، وإن استخلفت فيها غيركم عصاني ذريته وأفسدوا وسفكوا الدماء . فلما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم ، وبدت لهم هفوة زلتهم ، أنابوا إلى الله بالتوبة فقالوا : " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا " فسارعوا الرجعة من الهفوة ، وبادروا الإنابة من الزلة ، كما قال نوح - حين عوتب في مسألته فقيل له : لا تسألني ما ليس لك به علم - : ( رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) [ سورة هود : 47 ] . وكذلك فعل كل مسدد للحق موفق له - سريعة إلى الحق إنابته ، قريبة إليه أوبته .

وقد زعم بعض نحويي أهل البصرة أن قوله : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " لم يكن ذلك لأن الملائكة ادعوا شيئا ، إنما أخبر الله عن جهلهم بعلم الغيب ، وعلمه بذلك وفضله ، فقال : " أنبئوني إن كنتم صادقين " كما يقول الرجل للرجل : " أنبئني بهذا إن كنت تعلم " وهو يعلم أنه لا يعلم ، يريد أنه جاهل .

وهذا قول إذا تدبره متدبر ، علم أن بعضه مفسد بعضا . وذلك أن قائله زعم أن الله جل ثناؤه قال للملائكة ، إذ عرض عليهم أهل الأسماء : أنبئوني بأسماء هؤلاء ، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ، ولا هم ادعوا علم شيء يوجب أن يوبخوا بهذا القول .

وزعم أن قوله : " إن كنتم صادقين " نظير قول الرجل للرجل : " أنبئني بهذا إن كنت تعلم " وهو يعلم أنه لا يعلم ، يريد أنه جاهل .

ولا شك أن معنى قوله : " إن كنتم صادقين " إنما هو : إن كنتم صادقين ، إما في قولكم ، وإما في فعلكم . لأن الصدق في كلام العرب ، إنما هو صدق في الخبر لا في [ ص: 493 ] العلم . وذلك أنه غير معقول في لغة من اللغات أن يقال : صدق الرجل بمعنى علم . فإذ كان ذلك كذلك ، فقد وجب أن يكون الله جل ثناؤه قال للملائكة ، على تأويل قول هذا الذي حكينا قوله في هذه الآية : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " وهو يعلم أنهم غير صادقين ، يريد بذلك أنهم كاذبون . وذلك هو عين ما أنكره ، لأنه زعم أن الملائكة لم تدع شيئا ، فكيف جاز أن يقال لهم : إن كنتم صادقين ، فأنبئوني بأسماء هؤلاء ؟ هذا مع خروج هذا القول - الذي حكيناه عن صاحبه - من أقوال جميع المتقدمين والمتأخرين من أهل التأويل والتفسير .

وقد حكي عن بعض أهل التفسير أنه كان يتأول قوله : " إن كنتم صادقين " بمعنى : إذ كنتم صادقين .

ولو كانت " إن " بمعنى " إذ " في هذا الموضع ، لوجب أن تكون قراءتها بفتح ألفها ، لأن " إذ " إذا تقدمها فعل مستقبل صارت علة للفعل وسببا له . وذلك كقول القائل : " أقوم إذ قمت " فمعناه أقوم من أجل أنك قمت . والأمر بمعنى الاستقبال ، فمعنى الكلام ، لو كانت " إن " بمعنى " إذ " : أنبئوني بأسماء هؤلاء من أجل أنكم صادقون . فإذا وضعت " إن " مكان ذلك قيل : أنبئوني بأسماء هؤلاء أن كنتم صادقين ، مفتوحة الألف . وفي إجماع جميع قراء أهل الإسلام على كسر الألف من " إن " دليل واضح على خطأ تأويل من تأول " إن " بمعنى " إذ " في هذا الموضع .

التالي السابق


الخدمات العلمية