الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2407 28 - حدثنا آدم بن أبي إياس ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثنا واصل الأحدب قال : سمعت المعرور بن سويد قال : رأيت أبا ذر الغفاري رضي الله عنه وعليه حلة ، وعلى غلامه حلة ، فسألناه عن ذلك فقال : إني ساببت رجلا فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : أعيرته بأمه ، ثم قال : إن إخوانكم خولكم ، جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة ، وواصل هو ابن حيان بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف الكوفي ، والمعرور بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الراء الأولى وهو من كبار التابعين يقال : عاش مائة وعشرين سنة ، وقد مر الحديث في كتاب الإيمان في باب المعاصي من أمر الجاهلية ، فإنه أخرجه هناك عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، عن واصل إلى آخره ، وفيه زيادة ، وهي قوله : " إنك امرؤ فيك جاهلية " ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى ، ولنذكر بعض شيء .

                                                                                                                                                                                  قوله : " حلة " هي واحدة الحلل ، وهي برود اليمن ، ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد ، قوله : " ساببت رجلا " قيل : هو بلال رضي الله تعالى عنه ، قوله : " أعيرته " الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار ، قوله : " إن إخوانكم " المراد أخوة الإسلام والنسب لأن الناس كلهم بنو آدم عليه السلام ، قوله : " خولكم " أي حشمكم وخدمكم ، وواحد الخول خائل ، وقد يكون واحدا ويقع على العبد والأمة ، وهو مأخوذ من التخويل ، وهو التمليك ، وقيل : من الرعاية ، قوله : " تحت يده " أي ملكه ، وإن كان العبد محترفا فلا وجوب على السيد ، قوله : " فليطعمه " أمر ندب ، وكذلك " وليلبسه " ، وقيل لمالك رحمه الله : أيأكل من طعام لا يأكل منه عياله ورقيقه ، ويلبس ثيابا لا يلبسون ؟ قال : أراه من ذلك في سعة ، قيل له : فحديث أبي ذر ؟ قال : كانوا يومئذ ليس لهم هذا القوت ، قوله : " ولا تكلفوهم ما يغلبهم " أي لا تكلفوهم على عمل يغلبهم عن إقامته ، وهذا واجب ، وكان عمر بن الخطاب [ ص: 108 ] رضي الله تعالى عنه يأتي الحوائط فمن رآه من العبيد كلف ما لا يطيق وضع عنه ، ومن أقل رزقه زاده فيه ، قال مالك : وكذلك يفعل فيمن يفعل من الأجراء ، ولا يطيقه ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " أوصيكم بالضعيفين المرأة والمملوك " ، وأمر صلى الله عليه وسلم موالي أبي طيبة أن يخففوا عنه من خراجه ، وفي التوضيح : التسوية في المطعم والملبس استحباب ، وهو ما عليه العلماء ، فلو كان سيده يأكل الفائق ويلبس الغالي فلا يجب عليه أن يساوي مملوكه فيه ، وما أحسن تعليل مالك وهو ما ذكرناه الآن من قوله : ليس لهم هذا القوت ، وإنما كان الغالب من قوتهم التمر والشعير ، وقد صح أن سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق ، فإن زاد على ما فرض عليه من قوته وكسوته بالمعروف كان متفضلا متطوعا ، وقال ربيعة بن عبد الرحمن : لو أن رجلا عمل لنفسه خبيصا فأكله دون خادمه ما كان بذلك بأس ، وكان يفتي أنه إذا أطعم خادمه من الخبز الذي يأكل منه فقد أطعمه مما يأكل منه لأن من عند العرب للتبعيض ، ولو قال : أطعموهم من كل ما تأكلون لعم الخبيص وغيره ، وكذا في اللباس قوله : " فإن كلفتموهم " فإن قلت : إذا نهى عن التكليف فكيف عقبه بقوله : فإن كلفتموهم ، ( قلت ) : النهي للتنزيه قاله الكرماني وفيه نظر لأن الله تعالى قال : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولما لم يكلف الله فوق طاقتنا ونحن عبيده وجب علينا أن نمتثل لحكمه ، وطريقته في عبيدنا ، وروى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة مرفوعا : " لا تستخدموا رقيقكم بالليل ، فإن النهار لكم ، والليل لهم " ، وروى معمر عن أيوب ، عن أبي قلابة يرفعه إلى سلمان أن رجلا أتاه وهو يعجن ، فقال : أين الخادم ؟ قال : أرسلته لحاجة ، فلم نكن لنجمع عليه شيئين ، أن نرسله ولا نكفيه عمله ، ووقف علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه على تاجر لا يعرفه فاشترى منه قميصين بعشرة دراهم ، فقال لعبده : اختر أيهما شئت .

                                                                                                                                                                                  وفيه من الفوائد النهي عن سب الرقيق وتعييرهم بمن ولدهم ، وفيه الحث على الإحسان إليهم ، والرفق بهم ، ويلحق بالرقيق من كان في معناه من أجير ، ومستخدم في أمر ونحوهما ، وفيه عدم الترفع على المسلم ، والاحتقار ، وفيه المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفيه إطلاق الأخ على الرقيق .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية