الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وكذلك قال الأطباء : يكره الجمع في المعدة بين حارين أو باردين أو لزجين أو مستحيلين إلى خلط واحد أو منفخين أو قابضين أو مسهلين أو غليظين أو مرخيين ، أو بين مختلفين كقابض ومسهل وسريع الهضم وبطيئه ، وشواء وطبيخ ، وبين لحم وسمك ، وبين لحم طري وقديد ، وبين الحامض واللبن ، قالوا : والجمع بين البيض والسمك يولد البواسير والقولنج والفالج واللقوة ووجع الضرس ، والجمع بين السمك واللبن يولد البرص والبهق والجذام والنقرس ، واللبن والنبيذ يولد البرص والنقرس ، والبصل النيء والسمك يولدان السواد في الوجه ، والجمع بين الفصد والحجامة وأكل الملوحة زاد بعضهم بعد الحمام يولد الجرب والبهق .

والنزول في الماء البارد عقيب أكل السمك ربما ولد الفالج ، وشرب الماء البارد عقيب الجماع ربما أورث الاسترخاء ، والحامض بعد الجماع رديء والنوم بعد أكل السمك عقيب غيظ أو جماع ربما ولد اللقوة ، وكذا لبن الحليب ودخول الحمام بعده ، والإكثار من البيض المسلوق يولد الطحال [ ص: 373 ] وكذلك الكبود ، قالوا ويكره الخل بعد الأرز ، والرمان بعد الهريس ، والماء الحار بعد الأغذية المالحة ، والماء البارد عقيب الفاكهة ، أو الحلو أو الطعام الحار ، ولا يشرب بعد الأكل إلى أن يخف أعالي البطن إلا بمقدار ما يسكن به العطش ، ولا يشرب الماء البارد دفعة واحدة عقيب حمام ولا فيه وجماع وشواء وحركة ثقيلة يتجرعه قليلا قليلا ، ولا يشرب بالليل إذا انتبه إذا كان العطش كاذبا ، ولا على الريق فإنه يقرع المعدة ، ويبرد الكبد .

وكثرة أكل البصل ، قال ابن ماسويه : أربعين يوما يورث الكلف والتخمة من أكل البيض تورث الطحال . قال ابن ماسويه : من تملأ من بيض مسلوق بارد فأصابه ربو فلا يلومن إلا نفسه . قال هو وغيره : من نظر في المرآة ليلا فأصابه لقوة أو داء فلا يلومن إلا نفسه .

وينبغي الاقتصار على طعام واحد فإن الطبيعة تتحير من اختلاف الألوان وتعجز عن تمام هضمها ، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف ذلك كما لا يصح عنه أكل الأطعمة المالحة والعفنة كالكامخ ، والمخلل ، ولا طعاما شديد الحرارة ، ولا طبيخا بائتا يسخن له بالغد ، لكن هذا والله أعلم ليس لضرره كما ذكره بعض أصحابنا ، بل لأنه كان لا يدخر شيئا ولم يكن ذلك من عادة طعام أهل بلده .

وقد قال الأطباء : إن القابض يصلح الدسم والحلو ويصلحانه ، والحامض يصلح المالح ، وإن الحلو معتدل الحرارة تجتذبه القوى وتحبه ويعطش ، والمالح حار يمنع التعفن ، والحريف قوي الحرارة يلطف ، والحامض يولد الرياح ويضر العصب .

وروى الترمذي وابن ماجه عنه عليه السلام { : أنه كان يأمر بالعشاء [ ص: 374 ] ولو بكف من تمر ، ويقول : ترك العشاء مهرمة } ورواه أيضا ابن ماجه من حديث جابر بإسناد ضعيف وروى أبو نعيم عنه عليه السلام أنه { نهى عن النوم على الأكل } ، وكذا قال الأطباء : حفظ الصحة الحركة باعتدال لا السكون الدائم ، وكذا النوم الكثير وإن كان يسرع الهضم ، وكذا الحركة العنيفة بعد الطعام ، وإن أسرع الهضم فإنه جالب لصنوف الأمراض . والامتلاء من الطعام يضر بالعين ، وكذا النوم على الامتلاء ، وذكر بعضهم : أن يمشي نحو خمسين خطوة وقال بعضهم : ويصلي أو نحو ذلك ليستقر الغذاء بقعر المعدة .

قال بعض الحكماء : من أراد الصحة فليجود الغذاء ، وليأكل على نقاء ، وليشرب على ظمإ ، وليقلل من شرب الماء ، ويتمدد بعد الغداء ، ويتمشى بعد العشاء ، ولا ينام حتى يعرض نفسه على الخلاء ، وليحذر الحمام عقب الامتلاء ، ومرة في الصيف خير من عشرة في الشتاء ، وأكل القديد اليابس بالليل معين على الفناء ، ومجامعة العجوز تهرم وتسقم .

وهذا بعضه من كلام الحارث طبيب العرب ، وقال الحارث وهو ابن كلدة وقد قيل له : مرنا بأمر ننتهي إليه من بعدك ، فقال : لا تتزوجوا من النساء إلا شابة ، ولا تأكلوا الفاكهة إلا في أثر أوان نضجها ، ولا يتعالجن أحدكم ما احتمل بدنه الداء ، وعليكم بتنظيف المعدة في كل شهر فإنها مذيبة للبلغم ، مهلكة للمرة ، منبتة للحم ، وإذا تغذى أحدكم فلينم على أثر غدائه ، وإذا تعشى فليمش أربعين خطوة . وقد ذكر بعض الأطباء نحو هذه الأمور .

وقال : خمسين خطوة ، وقال [ ص: 375 ] عليك في كل أسبوع بقيئة تنقي جسمك ، ولا تخرج الدم إلا عند الحاجة إليه ، وعليك بدخول الحمام فإنه يخرج من الأطباق ما لا تصل الأدوية إلى إخراجه .

وقال الشافعي : أربعة تقوي البدن ، أكل اللحم ، وشم الطيب ، وكثرة الغسل من غير جماع ، ولبس الكتان . وأربعة توهن البدن : كثرة الجماع وكثرة الهم ، وكثرة شرب الماء على الريق وكثرة أكل الحامض ، وأربعة تقوي البصر : الجلوس حيال الكعبة ، والكحل عند النوم ، والنظر إلى الخضرة وتنظيف المجلس ، وأربعة توهن البصر : النظر إلى القذر وإلى المصلوب وإلى فرج المرأة والقعود مستدبر القبلة ، وأربعة تزيد في الجماع : أكل العصافير والأطريفل والفستق والخروب . وأربعة تزيد في العقل : ترك الفضول من الكلام ، والسواك ، ومجالسة الصالحين ، ومجالسة العلماء . كذا رأيته عنه والخروب وفيه نظر فإن غذاءه رديء وهو قابض بارد يابس ، وقيل حار .

وقيل لجالينوس : مالك لا تمرض ؟ فقال : لأني لا أجمع بين طعامين رديئين ، ولم أدخل طعاما على طعام ، ولم أحبس في المعدة طعاما تأذيت منه .

وقال أبقراط : كل كثير فهو معاد للطبيعة ، ويدخل في هذا قول بعضهم : الكلام الكثير يقلل مخ الدماغ ويضعفه ويعجل الشيب . والنوم الكثير يصفر الوجه ، ويهيج العين ، ويكسل عن العمل ، ويولد الرطوبات في البدن ، ويعمي القلب .

وقال طبيب المأمون : عليك بخصال من حفظها فهو جدير أن لا يعتل إلا علة الموت : لا تأكل طعاما وفي معدتك طعام ، وإياك أن تأكل طعاما تتعب أضراسك في مضغه فتعجز معدتك عن هضمه : وإياك وكثرة [ ص: 376 ] الجماع فإنه يقتبس نور الحياة ، وإياك ومجامعة العجوز فإنه يورث موت الفجأة ، وإياك والفصد إلا عند الحاجة وعليك بالقيء في الصيف .

وقال أفلاطون : خمس يذبن البدن وربما قتلن : قصر ذات اليد ، وفراق الأحبة ، وتجرع المغائظ ورد النصح ، وضحك ذوي الجهل بالعقلاء .

وقال جالينوس لأصحابه : اجتنبوا ثلاثا ، وعليكم بأربع ولا حاجة بكم إلى الطبيب : اجتنبوا الغبار والدخان والنتن ، وعليكم بالدسم والطيب . والحلوى والحمام ، ولا تأكلوا فوق شبعكم ، ولا تتحللوا بالباذروج والريحان ، ولا تأكلوا الجوز عند المساء ، ولا ينام من به زكمة على قفاه ، ولا يأكل من به غم حامضا ، ولا يسرع المشي من افتصد فإنه مخاطر الموت ، ولا يتقيأ من تؤلمه عينه ، ولا تأكلوا في الصيف لحما كثيرا .

ولا ينم صاحب الحمى الباردة في الشمس ، ولا تقربوا الباذنجان العتيق المبزر . ومن شرب كل يوم في الشتاء قدحا من ماء حار أمن من الإعلال ، ومن دلك جسمه في الحمام بقشور الرمان أمن من الحكة والجرب . ومن أكل خمس سوسات مع قليل مصطكى رومي ومسك وعود خام بقي طول عمره لا تضعف معدته ولا تفسد .

وقال بعضهم : أربعة تضر بالفهم والذهن : إدمان أكل الحامض والفواكه ، والنوم على القفا ، والهم ، والغم .

وأربعة أشياء تزيد في الفهم : فراغ القلب وقلة التملؤ من الطعام والشراب ، وحسن تدبير الغذاء بالحلو والدسم ، وإخراج فضلة مثقلة للبدن . ويضر بالعقل : إدمان أكل البصل والباقلاء والزيتون والباذنجان وكثرة الجماع والوحدة والأفكار والسكر والهم والغم وكثرة الضحك .

وقال بعض أهل النظر : قطعت في ثلاث مجالس فلم أجد لذلك علة إلا أني أكثرت من الباذنجان في أحد تلك الأيام ومن الزيتون في الآخر ومن الباقلا في الثالث .

ويضر بالعين الأغذية الغليظة والمبخرة كالسكر [ ص: 377 ] والشراب الغليظ الحلو والمصدعة والكسفرة والفجل والخس والعدس والنوم على القفا والنظر إلى الضوء الكثير فإنه يشتت البصر وإلى الظلمة الكثيرة فإنها تطفئ القوة الباصرة والبكاء واستقبال ريح باردة والغبار والدخان والسهر والتعب والمالحة كالتمر والسمك لا سيما المالح منه وكذا القيء فإن احتاج إليه فيرفق ، وذكر بعضهم : ويعصب عينيه . ويأتي الكلام فيه في الاستفراغات بعد ذكر الحجامة .

والدارصيني والسذاب ، والزنجبيل يحد البصر أكلا وكحلا والقرنفل يحد البصر والفلفل ينفع من ظلمة البصر والدمعة والعسل يقوي السمع ويجلو ظلمة البصر والاكتحال بماء الرازيانج على الدوام يحفظ صحة العين ، قال ابن جزلة وغيره : هو يحد البصر وخصوصا مضغه ، والاكتحال بالحضض يحفظ صحة العين وقوتها ، وكذلك الهليلج إذا أخذ على المسن بماء الورد ودلك الأعضاء السفلى مع الرياضة فإن بذلك تنحط البخارات الصاعدة إلى الرأس والعين ، وقد ينفع في ذلك الغوص في الماء البارد والتحديق فيه ، فإن ذلك يجمع القوة الباصرة ، وتعاهد قراءة الكتب غير الدقيقة وحملها على استخراج الدقيقة في بعض الأحوال .

قال جالينوس : والخس يجلو البصر المظلم ، ويحدث في الصحيح ظلمة ومن المعلوم : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتناول المعتاد غالبا ببلده ولم يكن يتكلف مفقودا ، ولا يمتنع من موجود اشتهاه ، فحبس النفس وقسرها على مطعم أو مشروب خلاف عادته .

وذكر الأطباء أنه لا ينبغي أن يتعود شيئا ويلازمه ولا النوم في وقت خاص أو غير ذلك ، بل ينبغي أن يأخذ نفسه بخلاف ذلك ولو بالتدريج إن كان ألفه ; لأن ذلك يضره وقد يتعذر فينضر بتركه ويحمل نفسه على غيره ; لأن ما لا يشتهيه ضرره أكثر من نفعه ، ولهذا { لم يأكل عليه السلام الضب المشوي ، وقيل له : أحرام هو ؟ قال : لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه } .

" وأكله خالد بن الوليد والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر " رواه البخاري ومسلم فلم يمنع من اشتهاه وأكله .

وقال أبو هريرة { : ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه أكله ، وإلا تركه } متفق عليه . [ ص: 378 ]

{ وكان عليه السلام يحب اللحم وأحبه إليه الذراع } وروى ابن ماجه والترمذي وصححه عن أبي هريرة قال { : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه } ، وعزاه بعضهم إلى الصحيحين ومعناه لأحمد وأبي داود عن ابن مسعود . وعن { ضباعة بنت الزبير : أنها ذبحت في بيتها شاة فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أطعمينا من شاتكم ، قالت للرسول : ما بقي عندنا إلا الرقبة وإني لأستحيي أن أرسل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع الرسول فأخبره ، فقال له : ارجع إليها قل لها : أرسلي بها فإنها هادية الشاة وإنها أقرب الشاة إلى الخير وأبعدها من الأذى } رواه أحمد وأبو عبيد والنسائي وفيه الفضل بن الفضل ، قال بعضهم : تفرد عنه أسامة بن زيد الليثي .

وقال البخاري في تاريخه : وروى هشام بن عروة عن الفضل بن الفضل عن ابن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا قال غير البخاري رواه موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن هشام .

الهادية والهوادي العنق والرقبة ; لأنها تتقدم البدن ولأنها تهدي الجسد ، وإنما أحب ذلك ; لأنه أخف على المعدة وأسرع هضما وأكثر نفعا ، وهذا أفضل الغذاء ، وقد قال الأطباء : مقادم الحيوان أخف وأسخن .

وعن عبد الله بن جعفر مرفوعا : { أطيب اللحم لحم الظهر } .

رواه أحمد وابن ماجه وفيه ضعف أو ضعيف { ، وكان عليه السلام يحب الحلوى والعسل } رواه الترمذي وصححه وابن ماجه ويأتي الكلام في العسل [ ص: 379 ] وسبق كلام الأطباء في هذا الفصل أن الحلو تجتذبه القوى وتحبه وأنه معتدل الحرارة .

وقال بعض الأطباء : الحلو حار رطب يكثر الصفراء والدم ويولد السداد والورم في الكبد والطحال ، ويطلق البطن ويرخي المعدة وهو صالح للصدر والرئة مخصب للبدن مكثر للمني ، والحامض بارده يقمع الصفراء والدم ويعقل إذا كانت المعدة نقية ويطلق إذا كان فيها بلغم كثير : ويوهن قوة الهضم عن الكبد ويضر العصب ويخفف البدن إلا أنه ينبه قوة الشهوة ، والدسم يرخي المعدة ويطلق البطن ويسخن لا سيما المحمومين وأصحاب المعدة الحارة والأكباد الحارة ، ويرطب البدن ويلينه ويزيد في البلغم وينوم ، والحريف يسخن ويهيج الحرارة ويميل بالبدن أولا إلى الصفراء ثم إلى السوداء .

وقال بعضهم أيضا : الإكثار من الأغذية الجافة يذهب بالقوة وباللون ، والإكثار من الدسم يذهب الشهوة ومن المالح يضر بالبصر ، ومن الحريف والحامض يجلب الهرم ، وكان عليه السلام : يأدم الخبز بما تيسر له ، ونقل عنه عليه السلام أشياء فمنه : تمر وخبز وشعير وهو من التدبير الحسن لحرارة التمر ورطوبته . وخبز الشعير بارد يابس قال بعضهم : سمي الأدم أدما لإصلاحه الخبز وجعله ملائما لحفظ الصحة .

وقال أهل اللغة : الإدام والأدم ما يؤدم به ، تقول منه : أدم الخبز باللحم يأدمه بالكسر ، والأدم الألفة والاتفاق ، يقال : أدم الله وآدم الله بينهما فعل وافعل ، بمعنى أي : أصلح وألفت . .

ولمسلم عن جابر قال { : كنت جالسا في داري فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلي فقمت إليه ، فأخذ بيدي فانطلقنا حتى أتى بعض حجر نسائه فدخل ، ثم أذن لي فدخلت الحجاب عليها فقال : هل من غداء ؟ فقالوا : نعم ، فأتي [ ص: 380 ] بثلاثة أقرصة فوضعن على نبي فأخذ قرصا فوضعه بين يدي ثم أخذ آخر فوضعه بين يديه ، ثم أخذ الثالث فكسره باثنتين فجعل نصفه بين يديه ونصفه بين يدي ، ثم قال : هل من أدم ؟ قالوا : لا إلا شيء من خل . فقال : هاتوه فنعم الأدم هو } وفي لفظ قال جابر : فما زلت أحب الخل مذ سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال طلحة بن نافع : وما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر نبي بنون مفتوحة ثم باء مشددة مكسورة ثم ياء مثناة تحت مشددة أي : مائدة من خوص ، وقيل إنه بتي بباء موحدة مفتوحة ثم مثناة فوق مكسورة ثم ياء مثناة من تحت مشددة ، والبت : كساء من وبر أو صوف ، قيل : هو مدح للخل مطلقا .

وقال بعض أصحابنا : إنما هو مدح له بحسب مقتضى الحال الحاضر ، وهذا متوجه لولا فهم جابر كقول أنس ما زلت أحب الدباء .

وقال الخطابي والقاضي عياض : معناه ائتدموا بالخل ونحوه مما تخف مؤنته ولا يعز وجوده ، كذا قالا ، وقد يحتمل أنه مدح للخل في الجملة ، وقد ذكر الأطباء أنه بارد يابس وأنه يضاد البلغم وأنه جيد للمعدة الحارة الرطبة .

وفهم جابر قد لا يعارض هذا ، ولهذا نظائر تأتي قال الأطباء : الخل قوي التجفيف يمنع من انصباب المواد ، ويلطف بقمع الصفراء ، ويمنع ضرر الأدية القتالة ويحلل اللبن والدم إذا جمد في الجوف ، وينفع الطحال ويدبغ المعدة ويعقل الطبيعة ويقطع العطش ; ولهذا إذا قل الماء فليمزج بقليل خل فإن قليله يكفي في تسكين العطش ويمنع الورم حيث يريد أن يحدث ، ويعين على الهضم ويلطف الأغذية الغليظة ويرق الدم ، وإذا شرب بالملح نفع من أكل الفطر القتال .

وإذا حسي قلع العلق المتعلق بأصل الحنك نافع للداحس إذا طلي به والنملة والأورام الحارة وحرق النار منه للأكل مطيب للأطعمة صالح للشباب في الصيف ولسكان البلاد الحارة ، قال بعضهم [ ص: 381 ] الإكثار منه يضعف البصر ويضر بالعصب ، وربما أدى إلى الاستسقاء ، ويقل ضرره مزجه بالماء والسكر ، ويهزل ويسقط القوة ويقوي السوداء . والخبر الذي رواه ابن ماجه عن أم سعد مرفوعا { : نعم الإدام الخل ، اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ولم يفقر بيت فيه خل } إسناده ضعيف بلا خلاف .

ومن حفظ الصحة أكله عليه السلام مما تيسر له من الفاكهة وهي دواء نافع إذا أكلت على ما ينبغي ، فإن الله تعالى جعل في كل بلد من الفاكهة ما يناسبهم ، ومن احتمى عنها مطلقا إن انتفع بذلك فضرره أكثر .

التالي السابق


الخدمات العلمية