الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 404 ] وسئل رحمه الله هل تجزئ الصلاة قدام الإمام أو خلفه في المسجد وبينهما حائل أم لا ؟ .

                التالي السابق


                فأجاب : أما صلاة المأموم قدام الإمام . ففيها ثلاثة أقوال للعلماء : أحدها : أنها تصح مطلقا وإن قيل إنها تكره وهذا القول هو المشهور من مذهب مالك والقول القديم للشافعي .

                والثاني : أنها لا تصح مطلقا كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما .

                والثالث : أنها تصح مع العذر دون غيره مثل ما إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام فتكون صلاته قدام الإمام خيرا له من تركه للصلاة . وهذا قول طائفة من العلماء وهو قول في مذهب أحمد وغيره . وهو أعدل الأقوال وأرجحها [ ص: 405 ] وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجبا من واجبات الصلاة في الجماعة والواجبات كلها تسقط بالعذر . وإن كانت واجبة في أصل الصلاة فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط ; ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام والقراءة واللباس والطهارة وغير ذلك .

                وأما الجماعة فإنه يجلس في الأوتار لمتابعة الإمام ولو فعل ذلك منفردا عمدا بطلت صلاته وإن أدركه ساجدا أو قاعدا كبر وسجد معه وقعد معه ; لأجل المتابعة . مع أنه لا يعتد له بذلك ويسجد لسهو الإمام وإن كان هو لم يسه .

                وأيضا ففي صلاة الخوف لا يستقبل القبلة ويعمل العمل الكثير ويفارق الإمام قبل السلام ويقضي الركعة الأولى قبل سلام الإمام وغير ذلك مما يفعله لأجل الجماعة ولو فعله لغير عذر بطلت صلاته .

                وأبلغ من ذلك أن مذهب أكثر البصريين وأكثر أهل الحديث : أن الإمام الراتب إذا صلى جالسا صلى المأمومون جلوسا ; لأجل متابعته فيتركون القيام الواجب لأجل المتابعة كما استفاضت [ ص: 406 ] السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون } .

                والناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : قيل : لا يؤم القاعد القائم وأن ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم كقول مالك ومحمد بن الحسن .

                وقيل : بل يؤمهم ويقومون وأن الأمر بالقعود منسوخ . كقول أبي حنيفة والشافعي .

                وقيل : بل ذلك محكم وقد فعله غير واحد من الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم كأسيد بن حضير وغيره . وهذا مذهب حماد بن زيد وأحمد بن حنبل وغيرهما . وعلى هذا فلو صلوا قياما ففي صحة صلاتهم قولان .

                والمقصود هنا : أن الجماعة تفعل بحسب الإمكان فإذا كان المأموم لا يمكنه الائتمام بإمامه إلا قدامه كان غاية [ ما ] في هذا أنه قد ترك الموقف لأجل الجماعة وهذا أخف من غيره ومثل هذا أنه منهي عن الصلاة خلف الصف وحده فلو لم يجد من يصافه ولم يجذب أحدا يصلي معه صلى وحده خلف الصف ولم يدع الجماعة كما أن [ ص: 407 ] المرأة إذا لم تجد امرأة تصافها فإنها تقف وحدها خلف الصف باتفاق الأئمة . وهو إنما أمر بالمصافة مع الإمكان لا عند العجز عن المصافة .



                فصل وأما صلاة المأموم خلف الإمام : خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائل فإن كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة وإن كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن ففيه قولان معروفان هما روايتان عن أحمد : أحدهما : المنع كقول أبي حنيفة .

                والثاني : الجواز كقول الشافعي .

                وأما إذا كان بينهما حائل يمنع الرؤية والاستطراق ففيها عدة أقوال في مذهب أحمد وغيره . قيل : يجوز وقيل : لا يجوز . وقيل : يجوز في المسجد دون غيره . وقيل : يجوز مع الحاجة ولا يجوز بدون الحاجة . ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقا : مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة أو تكون المقصورة التي فيها الإمام [ ص: 408 ] مغلقة أو نحو ذلك .

                فهنا لو كانت الرؤية واجبة لسقطت للحاجة . كما تقدم فإنه قد تقدم أن واجبات الصلاة والجماعة تسقط بالعذر وأن الصلاة في الجماعة خير من صلاة الإنسان وحده بكل حال .




                الخدمات العلمية