الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  352 25 - حدثنا أبو عاصم ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد تقدموا غير مرة ، وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد بفتح الميم البصري المشهور بالنبيل ، وأبو الزناد بكسر الزاي وتخفيف النون ، وهو عبد الله بن ذكوان . قوله : "لا يصلي" بإثبات الياء لأنه نفي ؛ لأن لا نافية ، ولا النافية لا تسقط [ ص: 66 ] شيئا ، ولكن معناه النهي ، ونص ابن الأثير على إثبات الياء في الصحيحين ، ورواه الدارقطني في غرائب مالك بلفظ : " لا يصل " بغير ياء على أن كلمة لا ناهية ، ورواه النسائي ، وقال : أخبرنا محمد بن منصور قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" بزيادة نون التوكيد في "لا يصلي" ، ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري عن أبي الزناد بلفظ : "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، ورواه أبو داود قال : حدثنا مسدد ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على منكبيه منه شيء" ، وأخرج الطحاوي هذا الحديث من أربع طرق ، وذلك بعد أن قال : تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة في الثوب الواحد متوشحا به في حال وجود غيره ، ثم قال : فقد يجوز أن يكون ذلك على ما اتسع من الثياب خاصة لا على ما ضاق منها ، ويجوز أن يكون على كل الثياب ما ضاق منه وما اتسع ، فنظرنا في ذلك فإذا عبد الرحمن بن عمر الدمشقي قد حدثنا قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا فطر بن خليفة ، عن شرحبيل بن سعد قال : "حدثنا جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : إذا اتسع الثوب فتعطف به على عاتقك ، وإذا ضاق فاتزر به ثم صل" فثبت بهذا الحديث أن الاشتمال هو المقصود ، وأنه هو الذي ينبغي أن يفعل في الثياب التي يصلي فيها ، فإذا لم يقدر عليه لضيق الثوب اتزر به ، واحتجنا أن ننظر في حكم الثوب الواسع الذي يستطيع أن يتزر به ، ويشتمل هل يشتمل به أو يتزر ، فكيف يفعل ، فإذا يونس قد حدثنا قال : حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" فنهى عليه الصلاة والسلام في حديث أبي الزناد عن الصلاة في الثوب الواحد متزرا به ، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أيضا "أنه نهى أن يصلي الرجل في السراويل وحده ليس عليه غيره" حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني زيد بن الحباب ، عن أبي المنيب ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فهذا مثل ذلك ، وهذا عندنا على الوجود معه غيره ، وإن كان لا يجد غيره فلا بأس بالصلاة فيه ، كما لا بأس بالصلاة في الثوب الصغير متزرا به ، فهذا تصحيح معاني هذه الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب . قوله : "ليس على عاتقه شيء" جملة حالية بدون الواو ، ويجوز في مثل هذا الواو وتركه ، قال الكرماني : هذا النهي للتحريم أم لا ؟ ( قلت ) ظاهر النهي يقتضي التحريم ، لكن الإجماع منعقد على جواز تركه ، إذ المقصود ستر العورة ، فبأي وجه حصل جاز ، ( قلت ) فيه نظر لأن الإجماع ما انعقد على جواز تركه ، وهذا أحمد لا يجوز صلاة من قدر على ذلك وتركه ، ونقل ابن المنذر عن محمد بن علي عدم الجواز ، ونقل بعضهم وجوب ذلك عن نص الشافعي رحمه الله ، واختاره مع أن المعروف في كتب الشافعية خلافه ، وقال الخطابي : هذا نهي استحباب ، وليس على سبيل الإيجاب ، فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب كان بعض طرفيه على بعض نسائه ، وهي نائمة ، ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لأن يتزر به ، ويفضل منه ما يكون لعاتقه إذ لو كان لا بد أن يبقى من الطرف الآخر منه القدر الذي يسترها ، وفي حديث جابر الذي يتلو هذا الحديث أيضا جواز الصلاة من غير شيء على العاتق .



                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية