الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1688 مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بني أنمار قال جابر : فبينا أنا نازل تحت شجرة ، إذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فقلت : يا رسول الله هلم إلى الظل ، قال : فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقمت إلى غرارة لنا [ ص: 252 ] فالتمست فيها ، فوجدت جرو قثاء ، فكسرته ، ثم قربته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : من أين لكم هذا ؟ فقلت : خرجنا به يا رسول الله من المدينة قال جابر : وعندنا صاحب لنا نجهزه يذهب يرعى ظهرنا قال : فجهزته ، ثم أدبر يذهب في الظهر ، وعليه بردان له قد خلقا ، قال : فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : أما له ثوبان غير هذين ؟ فقلت : بلى يا رسول الله ، ثوبان في العيبة كسوته إياهما ، قال : فادعه ، فمره ، فيلبسهما ، قال : فدعوته فلبسهما ، ثم ولى يذهب قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما له ؟ ضرب الله عنقه ، أليس هذا خيرا ؟ قال : فسمعه الرجل فقال : يا رسول الله في سبيل الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : في سبيل الله ، فقتل الرجل في سبيل الله .

التالي السابق


( هكذا هذا الحديث في الموطأ ، لم يختلف فيه الرواة .

وقد حدث أبو نعيم الحلبي عبيد بن هشام ، عن ابن [ ص: 253 ] المبارك ، عن مالك بحديث هو عندهم خطأ إن أراد حديث زيد بن أسلم هذا .

حدثنا خلف بن قاسم قال : حدثنا أبو الحسين علي بن الحسين بن بندار قال : حدثنا أبو عثمان سعيد بن عبد العزيز قال : حدثنا أبو نعيم الحلبي ، قال : حدثنا ابن المبارك ، عن مالك ، عن محمد بن المنكدر ، عن أنس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل : يا فلان ضرب الله عنقك ، قال : في سبيل الله يا رسول الله ، قال : في سبيل الله ، قال : وهي كانت نية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

رواه عن أبي نعيم الحلبي جماعة هكذا بهذا الإسناد ، منهم أبو عمران موسى بن محمد الأنطاكي ، وسعيد بن عبد العزيز بن مروان الحلبي ) .

في هذا الحديث إباحة طلب الظل والراحة ، وأن الوقوف للشمس مع وجود الظل ، ليس من البر في غزو كان ذلك ، أو غيره ; لأنهم كانوا غازين مجاهدين حينئذ .

وفيه الخروج بالزاد ، وفي ذلك رد على من قال من الصوفية لا يدخر لغد .

وفيه إكرام الرجل الجليل السيد بيسير الطعام ، وقبول الجلة ليسير ما يدعون إليه .

وفيه أن للرجل أن يسأل من أين هذا الطعام ؟ إذا خاف منه شيئا ، أو خاف من صاحب غفلة لمعنى معهود ، فينبهه على ذلك ، وكان جابر يومئذ حدثا - والله أعلم - بمعنى سؤال رسول الله [ ص: 254 ] - صلى الله عليه وسلم - إياه عن ذلك ، ولم يكن جابر ممن يتهم ، ولكن رسول الله بعث معلما - صلى الله عليه وسلم - .

وفيه أن من وسع الله عليه لم يجز له إدمان لبس الخلق من الثياب ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : إذا أنعم الله على عبد بنعمة ، أحب أن يرى أثرها عليه .

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إذا وسع الله عليكم ، فأوسعوا على أنفسكم ، جمع الرجل عليه ثيابه اهـ .

حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال : حدثنا محمد بن العباس الحلبي قال : حدثنا علي بن عبد الحميد الغضائري قال : حدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثني أبي ، عن بكر المزني ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده .

[ ص: 255 ] ( وهذا الحديث يعارض ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : البذاذة من الإيمان .

والبذاذة : رثاثة الهيئة
) .

وفيه إباحة الكلام بالمعاريض ، وبما فحواه يسمع إذا كان المتكلم به يريد به وجها محمودا ، ألا ترى إلى قوله : ما له ؟ ضرب الله عنقه ، وهو يريد بذلك الشهادة له ، وكان - صلى الله عليه وسلم - قلما يقول مثل هذا إلا كان كما قال .

ألا ترى إلى ما روي عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم قالوا : حين بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثة إلى مؤتة ، وأمر عليهم زيد بن حارثة فقال : إن قتل فجعفر بن أبي طالب ، فإن قتل جعفر ، فعبد الله بن رواحة قالوا : فلما قال ذلك علمنا أنهم سيقتلون .

ومثل هذا ما حدثناه سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا هاشم بن القاسم قال : حدثنا عكرمة بن عمار قال : حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع ( قال : أخبرني أبي في حديث ذكره : أن عامر بن الأكوع ) حين خرج إلى خيبر جعل يرتجز بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 256 ] وفيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل يسوق بهم الركاب ، وهو يقول :


تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ، ولا صلينا إن الذين قد بغوا علينا
إذا أرادوا فتنة أبينا ونحن عن فضلك ما استغنينا
فثبت الأقدام إن لاقينا


وأنزلن سكينة علينا

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، من هذا ؟ قالوا : عامر يا رسول الله قال : غفر لك ربك قال : وما استغفر لإنسان قط يخصه إلا استشهد .

قال : فلما سمع ذلك عمر بن الخطاب قال : يا رسول الله لو متعتنا بعامر ، فقام عامر إلى الحرب فبارزه مرحب اليهودي فاستشهد ، وذكر تمام الحديث ، ألا ترى إلى قوله : وما استغفر لإنسان يخصه إلا استشهد ، وإلى قول عمر : لو متعتنا بعامر ، وهذا كله في معنى قوله : ما له ؟ ضرب الله عنقه .

وفيه إجابة دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ودعاؤه كله عندنا مجاب إن شاء الله .

وسيأتي القول في معنى حديثه - صلى الله عليه وسلم - : فاختبأت دعوتي ; شفاعة لأمتي في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى .




الخدمات العلمية