الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فإن قيل : فإذا كان هذا حكم أقوالهم في أحكام الحوادث ، فما تقولون في أقوالهم في تفسير القرآن ؟ هل هي حجة يجب المصير إليها ؟ . [ أقوال الصحابة في تفسير القرآن ]

قيل : لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم ، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع ، قال أبو عبد الله الحاكم في مستدركه : وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع ، ومراده أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج ، لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولا فلنا أن نقول هذا القول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وله وجه آخر .

وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين لهم معاني القرآن وفسره لهم كما وصفه تعالى بقوله : { لتبين للناس ما نزل إليهم } فبين لهم القرآن بيانا شافيا كافيا ، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه فأوضحه له ، كما سأله الصديق عن قوله تعالى { : من يعمل سوءا يجز به } فبين له المراد ، وكما سأله الصحابة عن قوله تعالى : { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } فبين لهم معناها ، وكما سألته أم سلمة عن قوله تعالى { : فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فبين لها أنه العرض ، وكما سأله عمر عن الكلالة فأحاله على آية الصيف التي في آخر السورة ، وهذا كثير جدا ، فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن فتارة ينقلونه عنه بلفظه ، وتارة بمعناه ، فيكون ما فسروا بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى ، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها ، وتارة بمعناها ، وهذا أحسن الوجهين ، والله أعلم .

فإن قيل : فنحن نجد لبعضهم أقوالا في التفسير تخالف الأحاديث المرفوعة الصحاح ، وهذا كثير ، كما فسر ابن مسعود الدخان بأنه الأثر الذي حصل عن الجوع الشديد والقحط ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخان يأتي قبل يوم القيامة يكون من أشراط الساعة مع الدابة والدجال وطلوع الشمس من مغربها .

وفسر عمر بن الخطاب قوله تعالى { : أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } بأنها للبائنة والرجعية ، حتى قال : [ ص: 118 ] لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة ، مع أن السنة الصحيحة في البائن تخالف هذا التفسير ، وفسر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قوله تعالى { : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } أنها عامة في الحامل والحائل ، فقال : تعتد أبعد الأجلين والسنة الصحيحة بخلافه .

وفسر ابن مسعود قوله تعالى { : وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } بأن الصفة لنسائكم الأولى والثانية ; فلا تحرم أم المرأة حتى يدخل بها ، والصحيح خلاف قوله ، وأن [ أم ] المرأة تحرم بمجرد العقد على ابنتها ، والصفة راجعة إلى قوله : { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } وهو قول جمهور الصحابة .

وفسر ابن عباس السجل بأنه كاتب النبي صلى الله عليه وسلم يسمى السجل ، وذلك وهم وإنما السجل الصحيفة المكتوبة ، واللام مثلها في قوله تعالى { ; وتله للجبين } ، وفي قول الشاعر :

فخر صريعا لليدين وللفم

أي يطوي السماء كما يطوي السجل على ما فيه من الكتاب ، وهذا كثير جدا ، فكيف يكون تفسير الصحابي حجة في حكم المرفوع ؟ قيل : الكلام في تفسيره كالكلام في فتواه سواء ، وصورة المسألة هنا كصورتها هناك سواء بسواء ، وصورتها أن لا يكون في المسألة نص يخالفه ، ويقول في الآية قولا لا يخالفه فيه أحد من الصحابة ، سواء علم لاشتهاره أو لم يعلم ، وما ذكر من هذه الأمثلة فقد فقد فيه الأمران ، وهو نظير ما روي عن بعضهم من الفتاوى التي تخالف النص وهم مختلفون فيها سواء .

فإن قيل : لو كان قوله حجة بنفسه لما أخطأ ، ولكان معصوما ; لتقوم الحجة بقوله ، فإذا كان يفتي بالصواب تارة وبغيره أخرى ، وكذلك تفسيره فمن أين لكم أن هذه الفتوى المعينة والتفسير المعين من قسم الصواب ؟ إذ صورة المسألة أنه لم يقم على المسألة دليل غير قوله ، وقوله ينقسم ، فما الدليل على أن هذا القول المعين من أحد القسمين ولا بد ؟ قيل : الأدلة المتقدمة تدل على انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة ، وهو أن من الممتنع أن يقولوا في كتاب الله الخطأ المحض ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به ، وهذه الصورة المذكورة وأمثالها قد تكلم فيها غيرهم بالصواب ، [ ص: 119 ] والمحظور إنما هو خلو عصرهم عن ناطق بالصواب واشتماله على ناطق بغيره فقط ; فهذا هو المحال .

وبهذا خرج الجواب عن قولكم : لو كان قول الواحد منهم حجة لما جاز عليه الخطأ ، فإن قوله لم يكن بمجرده حجة ، بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من القرائن .

التالي السابق


الخدمات العلمية