الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أمارس المعصية هربًا من الواقع.. فكيف أتوب توبة نصوحاً؟

السؤال

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

أصبحت شخصًا ضحية لشهواته ورغباته دون النظر للعواقب الوخيمة، وكلما حاولت التوبة أتوقف لمدة لا تقل عن نصف شهر، ثم أعود لتلك المعصية مرة أخرى، وفي الآونة الأخيرة كلما أردت التوبة تأتيني أفكار بتأجيلها ليوم آخر، مع العلم أنني أقوم بتلك المعصية ليس حبًا ولكن هربًا من الواقع.

أتمنى الحل، جزانا الله وإياكم خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي أحمد- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يسددنا وإياك في القول والعمل.

اعلم -أخي الكريم- أن مشاعر الحزن والألم من فعل المعصية دليل خير في قلبك واستجابة لنداء الفطرة السليمة في نفسك، وتحرّك النفس اللوامة في قلبك، فهناك فرق بين من يمارس المعصية راغبًا محبًا مجاهرًا بها، ومن يفعلها في لحظات ضعف وجهل وقلبه يتألم حياءً من الله وخجلاً من فعله، وفي ذلك يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) متفق عليه.

ثم اعلم أخي - وفقك الله - أن الوقوع بالمعصية لا يسلم منه أحد، لكن المؤمن التقي إن زلت قدمه بادر بالاستغفار والندم والتوبة وعجّل بها ولم يصر على فعله، وأتبع المعصية بالحسنة وبالأعمال الصالحة، قال الله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)، ويقول سبحانه: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)، ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كلُّ بني آدم خَطَّاءٌ، وخيرُ الخَطَّائِينَ التوابون)، رواه الترمذي.

فإن أذنبت فبادر للتوبة مهما زلّت قدمك بالذنب، ولا تفتح بابًا للشيطان فيقنطك من التوبة أو رحمة الله، ليوقعك في ذنوب أكبر وأعظم، ففي الحديث القدسي المتفق عليه: (أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله - تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أيْ رب، اغفر لي ذنبي، فقال -تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أيْ رب، اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء)، فبادر الى التوبة وحقق شروطها من الإقلاع، والندم، والعزم على عدم العودة، واعزم في ذلك صادقًا، فإن ضعفت نفسك في أي لحظة فعاود التوبة ولا تتركها أبدًا.

واعلم -وفقك الله- أن لكل ذنب أسبابًا ووسائل، متى ما توافرت تلك الأسباب والوسائل ضعفت مقاومة الإنسان أمام ذلك الذنب، لذلك من رحمة الشريعة عندما تحرم شيئًا أن تقطع الأسباب الموصلة إليه والمقربة له، فعندما حرم الزنى حرم ما يقرب له من النظرة والخلوة المحرمة، فلا يمكن للإنسان أن يقلع عن الذنب، وهو قريب من وسائله ومخالط لأسبابه، فلا بد للتائب أن يحرس قلبه حال التوبة، وفي الحديث المشهور المتفق عليه يقول رسول الله -صلى الله علية وسلم-: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم -أي حكمًا- فقال: قيسوا ما بين الأرضيْن، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة).

ومن الحديث تأمل حب الله للتائب، وإعانته له عندما يصدق في توبته، وتأمل أهمية هجر مكان المعصية وأسبابها، والانتقال من الرفقة السيئة إلى الرفقة الصالحة التي تعينك على الخير وتدلك عليه، وعليه - أخي أحمد - لابد لتحقيق الثبات على التوبة من أمور:

أولا: الضراعة إلى الله صادقًا مخلصًا بالدعاء أن يثبتك ويعينك على التوبة، فقد قال الله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)، وفي الدعاء بث شكوى، وطلب مدد وعون من الخالق سبحانه.

ثانيًا: الإقلاع عن كل ما يذكرك أو يقربك من المعصية، كحال المريض يأمره الطبيب بترك أشياء تضره حتى يتعافي، فلا بد من ترك الوسائل والابتعاد عنها، كمشاهدة الأفلام والمواقع الإباحية، والصور العارية على مواقع التواصل التي تثير الشهوات، وتنقية أماكن تواجدك منها كالجوال والبيت وجهاز الكمبيوتر، عبر حظرها أو إلغائها أو إتلافها، أو تركها بالكلية حتى تتعافى من الرغبة فيها.

ثالثًا: اهجر رفقاء السوء، ومن يهون المعصية في نفسك، ويزين لك المعصية ويعينك عليها، فهم كالداء الذي يعدي.

رابعًا: ابتعد عن الفراغ والإفراط في الأكل قدر استطاعتك، فالفراغ والشبع مجلبة للأفكار السلبية ومحرك لشهوة النفس، وإن استطعت الصوم، ففيه دواء شاف للنفس، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، وإن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).

خامسًا: مارس الرياضة بالنتظام وأشغل نفسك بكل مفيد، حاول أن تلتحق بدروات تدريبية، وأنشطة جماعية مفيدة، ورفقة صالحة ناصحة، لابد أن تحيط نفسك بسياج من الاهتمامات النافعة، والأفعال الإيجابية، لتخرج من أسر المعصية والتفكير فيها.

سادسًا: ذكر نفسك دائمًا أنك أسمى وأرقى من هذه الأفعال والسلوكيات القبيحة، لتعزز الثقة في نفسك وقدراتك، في مواجهة تلك السلوكيات المنحرفة، حدث نفسك أن وقتك أثمن من أن يضيع في أفلام ومسلسلات وتصفح مواقع التواصل بغير فائدة، اقرأ سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والصحابة والصلحاء والحكماء والعظماء من هذه الأمة، فكل ذلك يعزز فيك علو الهمة.

أخيرًا -أخي أحمد- الهروب من الواقع كلمة يقولها الكثير اليوم عندما تضعف علاقتهم بالله تعالى، وهم يريدون بالهروب من الواقع نسيان واقعهم بالوقوع في الشهوات، والغرق في الملذات، فهذا حال البعيد عن الله وعن كتابه وهدي نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وللأسف هذا ما تروجه الكثير من الافلام والمسلسلات المنحرفة، فكثيرًا ما تزين وسائل الإعلام أن الهروب من الواقع يكون بكأس خمر أو بلفافة دخان، أو بحبوب مخدرة، أو بسهرات ماجنة -وبئس ما يفعلون- لكن المسلم يقرأ في كتاب الله (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ويقرأ كذلك: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشه ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى).

فالهروب من الواقع يكون ببناء النفس، وتقويتها بعظيم الصلة بالله، لتواجه كل صعوبات وضغوطات الحياة بنفس قوية، وثقة بالله، تُثمر نفساً زكية قادرة أن تواجه كل الأزمات بحكمة واتزان، أما المعصية فلا تزيد الانسان إلا رهقًا وضعفًا وهمًا.

حرسنا الله وإياك من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً