الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خسرت كل شيء بعد أن كنت أعيش حياة مليئة بالنعم!!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبلغ من العمر 43 سنة، أعزب، وأعمل كمهندس تقنية معلومات في دول الخليج منذ سنوات طويلة، كانت حياتي متيسرة، تحيطني الكثير من نعم الله سبحانه وتعالى؛ فمثلًا كان لدي منصب كبير ودخل ثابت ميسور -والحمد لله-، وأعيش في بيت جميل، ولا ينقصني شيء بفضل الله.

لكنني كنت إلى حد كبير مقصرًا في ديني، غير ملتزم تمامًا بالصلاة، أصلي ولكن ليس كما يجب، وكان سلوكي دنيويًا جدًا؛ أعيش حياة أعمل فيها بجهد كبير لضمان استمرار النعم، وبعد العمل أسعى وراء متع الدنيا، وكي أكون صادقًا فقد كنت أستمتع بها فعلًا، كما نقول بالمصري: "عايش حياتي بالطول والعرض"، ناجح في عملي وأعيش حياتي.

إلى أن حدث لي أمر لم يكن على بالي، ولم أحسب له أي حساب؛ ففي شهر يوليو عام 2024، وبدون أي مقدمات، تعرضت لأزمة قلبية حادة مفاجئة نُقلت على إثرها إلى الطوارئ في المستشفى التي كنت أقيم بها في إحدى دول الخليج، قام الأطباء بإخضاعي لجراحة قلب مفتوح طارئة لإنقاذ حياتي، وأثناء العملية حدثت مضاعفات خطيرة مثل نزيف حاد في المخ وجلطات دماغية، وعندما استيقظت من التخدير وجدت نفسي مشلولًا نصفياً وفاقدًا البصر في إحدى العينين.

فبعدما كنت إنسانًا أنيقًا نشيطًا، أصبحت الآن تحت برامج علاجية لإعادة التأهيل في محاولة لاستعادة حياتي التي سُلبت مني في ثلاثة أيام فقط.

سؤالي الذي أسأله لنفسي كل يوم: الله سبحانه وتعالى يدبر كل شيء بقدر ولحكمة، فما هي الحكمة في أن أجد نفسي بعد الإفاقة من العملية وقد خسرت كل شيء: الأناقة، المال، العمل، الصحة، المجتمع، الأصحاب، وحتى حالتي النفسية؟ فبعد النزيف والجلطات أصبح من الصعب التعرف على ذاتي مجددًا، لست مجنونًا، لكنني لا أستطيع العودة إلى السلام الداخلي الذي كنت أعيشه قبل العمليات.

يا ترى، ما الحكمة وراء هذا الابتلاء العظيم؟ أرجو من حضراتكم الإفادة وتوضيح إن كانت هناك آيات قرآنية أو أحاديث شريفة تتحدث عن وضع مشابه لوضعي.

أكون شاكرًا جدًا لحضراتكم، وجزاكم الله عني خير الجزاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Mohamed حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يحفظك ويرعاك ويشفيك ويعافيك، إنه جواد كريم.

نحن نتفهم حالك وما آلت إليه أمورك تفهمًا كاملًا لا شكليًا؛ لأن ما مررتَ به انتقال فجائي قاسٍ من حال القوة إلى حال العجز، ومن السعة إلى الضيق، ومن الاعتماد على النفس إلى الحاجة للآخرين، وهذا التحول في أيام قليلة يزلزل النفس زلزالًا شديدًا، ويحدث اضطرابًا في الإحساس بالذات، ويكسر السلام الداخلي، خصوصًا مع ما صاحب ذلك من نزيف دماغي وجلطات لها آثار نفسية وعصبية معروفة، وما تشعر به من فقدان الاتّزان الداخلي ليس ضعفًا فيك، ولا خللًا في عقلك، بل أثر إنساني وجسدي يحتاج زمنًا، وصبرًا، وعلاجًا، ورحمةً بالنفس.

وعليه فدعنا نقول لك وبكل وضوح: إن الله يحبك، والدليل على ذلك أنه أعادك إلى الطريق الذي نُبّهت إليه مرارًا، لكنك لم تنتبه، فمحبة الله لا تكون دائمًا في العطاء، بل قد تكون في المنع المؤلم.

ولو عدت بذاكرتك لعلمت أن الله أرسل إليك الكثير من الرسائل حتى تنتبه وتعود إليه: كتعب عارض، أو قلق داخلي جراء المعصية، أو قلق بلا سبب واضح، أو فقدان صديق، أو موت قريب، كل هذه رسائل حتى ينتبه العبد إلى أن المصير واحد، لكن كثرة النعم أحيانًا قد تخدر القلب، والانشغال بالدنيا قد يسكت صوت التنبيه، فلما لم تجد الرسائل اللطيفة إلى قلبك طريقًا، جاء التنبيه الشديد لا انتقامًا، بل إيقاظًا ورحمةً قبل فوات الأوان.

تذكر أخي -وهذا من أعظم مفاتيح الفهم والشفاء- أن ما أصابك كان منك أنت قبل كل شيء، لا لأنك شرير أو فاسد، بل لأن الله أنعم عليك بنعم عظيمة من صحة وعقل ومنصب ومال واستقلال، لكن كثيرًا منها لم يُستثمر في طاعة الله كما ينبغي، بل استُهلك في الدنيا، فكان العقاب جزاءً على ما قدمت: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، لكن هذا العقاب رحمة من الله، وتخيل أخي لو متَّ على الحال التي كنتَ عليها قبل الابتلاء، من تقصير في الصلاة، وانغماس في الدنيا، واعتماد على النفس أكثر من التعلق بالله، فهل كنتَ مستعدًا للقاء الله؟ وهل كنت قد أوفيت بما عليك، أم أن الله بلطفه أوقفك قبل النهاية لتُعاد صياغتك؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.

إن من رحمة الله أن الابتلاء لم يكن عبثًا، بل يحمل فوائد عظيمة، أولها: تكفير الذنوب، وتنقية الصحيفة، فكل ألم مررت به، وكل ضعف، وكل دمعة، هي في ميزان الله ليست هدرًا، بل هي محو لأثقال كنت ستحاسب عليها لو لقيتَ الله على حالك السابق، قال ﷺ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزْن، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».

ومن فوائد الابتلاء كذلك: كسر الغرور، وبناء العبودية الصادقة، فالقلب أحيانًا لا يعرف معنى التوكل الحقيقي إلا حين يسقط كل ما يشغله عن الله، فالواجب عليك الآن ألا تفكر في الماضي وما سلبت من نعم، بل في الفضل العظيم وهو التنبه من الغفلة، أنت الآن انتقلت من الموت إلى الحياة وليس العكس، انتقلت من حياة الضياع والبعد عن الله، إلى حياة فيها تقرب من الله، وشكر له على أنه نبهك قبل الموت، فالمرض الذي يرجع صاحبه إلى الله خير من الموت المفاجئ، الذي لا رجعة فيه ولا يمكننا فيه التوبة.

وعليه فاعلم أن من أعظم فوائد الابتلاء أيضًا أنه رفع الدرجات لمن صبر ورضي، فليس كل ابتلاء عقوبة، بل قد يكون تهيئةً لمقام لم يكن لينال بغير هذا الطريق الشاق، قال النبي ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ».

لذلك أخي: أنت لم تُكسر لتُهمل، ولم تُؤخذ منك النعم لتعذّب، بل أُعيد ترتيبك، وربما خسرت أشياء كثيرة، لكنها كانت تبعدك عن الله، فإن خرجتَ من هذا الابتلاء بقلب أصدق، وصلاة أصدق، وتوبة أصدق، فقد خرجت رابحًا وإن ظننت نفسك خاسرًا.

نسأل الله أن يجعل ما أصابك باب قرب لا باب حزن، وبداية حياة أصدق لا خاتمة ألم، وأن يعوّضك سكينةً لا تزول، وأن يشفيك ويعافيك.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً