الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أريد القيام بفريضة الأمر بالمعروف وأخشى من نظرات الناس!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بدأتُ أشعر بتوازن كبير، بعد أن طبقتُ نصيحتكم بأن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهدوء وتوازن، وتوقفتُ عن التخيل المسبق لمواقف محرجة أو ردود سلبية لردود فعل الناس، ورأيتُ أن العقل أذكى بكثير ويتكيف بسرعة في الموقف نفسه، فهل هذه الملاحظة صحيحة، أم يجب أيضًا أن أفكر قبل حدوث الموقف وأتخيل أمورًا قد لا تقع حتى أكون مستعدة؟

مع ذلك لا تزال لدي بعض الصعوبات؛ ففي المناطق الغنية جدًّا أخاف من نصح بعض النساء، خشية أن يتكبرن عليّ، رغم أن فيهن من هي محترمة، لكنني أشعر بهيبة أمامهن ولا أعلم السبب، ومع اصطحاب صديقاتي أو أي شخص معي، أتردد في نصح أشخاص أمامهم، وأشعر بالتقييد، رغم أن بعضهم يقدّر النصيحة، إلا أنهم ينظرون إليّ باستغراب ويراقبونني بطرف العين، وأحيانًا أهمّ بالنصح ثم أتراجع، فيخلق ذلك شعورًا بالفتور والعجز لدي.

وأحيانًا يحدث الموقف مع أقاربي أو والدي، فأشعر حينها أن المنكر يسقط عني، وأتساءل: كيف أنصح فتاة عن تبرجها أو أنكر منكرًا وقع بجانبي أمام والدي؟ وأسأل نفسي: هل كانت هذه الصراعات الداخلية موجودة في زمن الصحابة -رضي الله عنهم- وجاهدوا أنفسهم في بداية حياتهم؟

لم أسمع قط عن عائق في هذا الأمر رغم أنه بديهي جدًّا، فهل أنا ضعيفة؟ بالرغم من أنني أنجح في مواقف كثيرة جدًّا –والحمد لله– إلَّا أن بعض الفرص تضيع بسبب الخوف من نظرات الناس، خاصة نظرات الرجال، التي تؤثر عليّ أكثر من غيرهم.

أحيانًا أفضل المشي وحدي في الشارع، لأشعر بحرية أكبر وأستطيع الإنكار بشجاعة، لكنني أمشي مع أصدقائي لأن المسلم مع الجماعة أقوى. أسعى لتدريب نفسي على الجَلَد والثقة بالنفس، لكنني لست على وتيرة واحدة من الثقة.

أنا لا أريد المجاملة على حساب الشرع، خاصة عندما تكون هناك مصلحة بيني وبين شخص أو عمل وأضطر فيها إلى الإنكار، وأتساءل: لماذا أرى أغلب الناس لا يبالون بنظرات الآخرين في معظم أمورهم، ولو وُضعوا في موقفي لنصحوا بكل تلقائية؟ أما أنا، فإذا مرّ بجانبي رجل وأنا أنصح، أسكت وأنتظر مروره.

وهل من الخطأ أنني سألت في نفس الموضوع -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- أكثر من مرة؟ مع العلم أنني لست متوترة كما قد يظهر في السؤال، لكن هذه الأفكار تأتي أحيانًا في مواقف محددة فقط، وهي المواقف التي يجب عليّ أن أتكلم فيها كما قرأت في ضوابط هذه الفريضة.؟

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فاطمة .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب مجددًا، ونشكر لك دوام تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير.

ونبدأ –أيتها الكريمة– من حيث انتهيتِ في سؤالك الطويل، وهو أنك قد أعطيتِ هذا الموضوع أكبر من حجمه، وشقَّقتِ فيه الأسئلة وأكثرتِ منها؛ ممَّا يدعونا إلى أن نخاف عليك من أن تُصابي بالوسوسة في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصيحة الآخرين، وبذلك تكونين قد أوقعتِ نفسك في عناء ومشقة أنتِ في غنى عنها، وإلَّا فالأمر أيسر بكثير من كل هذا العناء الذي تعيشينه والتوتر الذي تعانينه في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد سبق في استشارات سابقة أن بيَّنا لك أن هذه الفريضة ربطها الله -سبحانه وتعالى- بالاستطاعة، وأن كل واحد ينبغي له أن يمارس منها ما يَقْدر عليه، مع ملاحظة الضوابط الشرعية في المأمورين والمنهيين.

فإذا رأيتِ أمرًا يستحق الإنكار، ويستحق صاحبه أن يُنصح، وذلك إذا فعل شيئًا محرّمًا اتفق العلماء على تحريمه، أو ترك واجبًا اتفق العلماء على وجوبه، ففي هذه الحال إذا رأيتِ أن باستطاعتك النصح، فينبغي أن تنصحي لوجه الله تعالى بغض النظر هل كنتِ بجانب أناس آخرين أو لا.

ومن العلماء من قال بأنه لا يجب الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر إذا ظنّ الإنسان أن أمره ونهيه لا يُؤثِّر، ويسعك أنتِ أن تأخذي بهذا الرأي في بعض المواقف –على الأقل– لتخففي عن نفسك كل هذه المعاناة التي تجدينها.

لا تبالي بمقادير الناس عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث الغنى والفقر، فإذا رأيتِ منكرًا وكنتِ قادرة على النهي عنه وتظنين أن في النهي نفعًا، فلا تبالي بكونه غنيًا أو فقيرًا؛ فالكل يحتاج إلى نُصح ووعظ وتذكير.

ولا تبالي أيضًا بما قد يُقابلك به بعض الناس من الجفاء أو السخرية أو نحو ذلك عندما تأمرين بالمعروف وتنهين عن المنكر، فهذا أمر متوقع، وتجدين في وصية لقمان لابنه التي حكاها الله تعالى لنا في كتابه الكريم، يقولُ لولده: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:17]، فقد يقابل الإنسان بشيء يؤذيه عندما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإذا كان في حدود قدرته ويستطيع تحمّله دون ضرر عليه، فينبغي ألَّا يبالي به، وإن كان شيئًا يتضرر به فهو عذر له –إن شاء الله– في ترك الأمر أو النهي.

هذه خلاصة الأحكام التي يمكن التركيز عليها في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيها الكفاية – إن شاء الله – للإجابة عن كل تساؤلاتك.

نؤكد مرة ثانية أننا نخشى عليك من كثرة تشقيق الأسئلة وكثرة التوتر في هذا الباب، أن تُصابي بشيء من الوسوسة فيه، فتكونين قد جلبتِ على نفسك نوعًا من الضرر والمشقة؛ ولذا ندعوك إلى أن تُعرضي تمامًا عن تشقيق الأسئلة في هذا الباب.

نسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً