الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والدتي تريد متابعة جميع تحركاتي، فكيف أتصرف معها دون أن أجرحها؟

السؤال

أنا طبيب، عمري 25 عامًا، ولدي مشكلة مع أمي؛ فهي لا تتقبل أنني بدأت أستقل بحياتي ومقبل على الزواج، وهي مصابة بالقلق المرضي (أقول ذلك من واقع دراستي الطبية)، لكنها ترفض التداوي، أو العلاج النفسي.

ما طلبته مني هو أن أنزل تطبيقًا على هاتفي لتتابعني به لحظة بلحظة طوال الوقت، أين أنا وماذا أفعل؟! كما أنها تريد وضع جهاز مراقبة في سيارتي ينقل لها تحركاتي كلها.

أنا رفضت ذلك تمامًا؛ لأنني أراه انتهاكًا لخصوصيتي، ولأن هذا سيغذي قلقها المرضي بدلًا من علاجه؛ ولأن الأمر في المستقبل لن يكون اطلاعًا على خصوصيتي وحدي، وإنما على خصوصية زوجتي أيضًا.

فهل أنا مخطئ؟ وهل من حقها أن تطلب مني ذلك؟ وهي تقول لي إنها لن تكون راضية عني إلا بهذا، فهل أمام الله عليَّ ذنب برفضي هذا؟

شكرًا، وأعتذر عن الإطالة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مهدي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يحفظك وأن يرعاك.

فاعلم -بارك الله فيك- أن مرض الأم يغيّر ميزان الأجر، فالأم المريضة ليست كالأم الصحيحة، والتعامل معها ليس فقط برًّا، بل عبادة مضاعفة الأجر إذا صبر الابن واحتسب، قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾، ولم يقيّد الإحسان بحال الصحة ولا باعتدال الطلب، بل أطلقه، ليبقى الأصل هو اللين، والرحمة، والاحتمال، وقال سبحانه في أبلغ موضع في هذا الباب: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ وخفض الجناح هنا ليس ذلاً مهينًا، بل رحمة متواضعة، فيها احتواء وصبر، وتحمّل ما لا يطلب من غير الوالدين.

وإن من أعظم ما يعينك على ضبط قلبك أن تتذكّر أن قلقها ليس اختيارًا حرّا منها، بل ابتلاء، وأن كثيرًا من تصرفاتها نابع من خوف داخلي، لا من رغبة في التحكم، وهذا لا يبيح الخطأ، لكنه يغيّر نبرة التعامل، فيكون الرد هادئًا، غير جارح، غير قاطع، ولو مع الرفض، فقد قال النبي ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» والمرض هنا في معنى الكِبَر من حيث الحاجة والرقة وضعف الاحتمال.

ومن البرّ العظيم الذي قد يغيب عن كثير من الأبناء، أن لا تواجه الأم المريضة بالمنطق الجاف، حتى لو كان صحيحًا، بل تغلف الحقيقة بالطمأنة، فليس المطلوب منك أن تقنعها طبيًا، بل أن تشعرها بالأمان؛ لأن القلق المرضي لا يعالج بالدلائل، بل بالاحتواء.

ومن أعظم ما تؤجر عليه في حالتك:
- الصبر على التكرار؛ لأن المريض النفسي يكرّر مخاوفه.
- احتمال ما يضيق به الصدر دون إظهار السخط.
- الدعاء لها بظهر الغيب، وهو من أنقى صور البر.
- السعي في علاجها ولو رفضت، بمحاولات هادئة غير تصادمية.

قال النبي ﷺ:«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ» فكيف إذا كان الدعاء للأم؟ ثم اعلم يقينًا أن احتساب الأجر يبدّل المشقة إلى نعمة، وأن الله لا يضيع دمعة كتمتها، ولا صبرًا أوجعك، ولا تنازلًا في الكلام فعلته رحمة بها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؟، لكن مع هذا كله، يجب أن يبقى واضحًا في قلبك أن البر لا يعني الذوبان، ولا يعني تسليم القيادة للمرض، بل البر الحقيقي هو أن تحميها من نفسها بحدود رحيمة، وأن لا تُغذّي قلقها، وأن تبقى قريبًا منها دون أن تتضرر الضرر البالغ، وهذا توازن دقيق، لكنه ممكن بالصبر والدعاء.

فإن سألك قلبك: هل أُؤجر على رفضي طلبها مع الإحسان لها؟
الجواب: نعم، إذا اقترن الرفض باللطف، والاحتواء، والقيام بحقوقها الأخرى، فأنت مأجور على الصبر، ومأجور على البر، ومأجور على عدم الإعانة على ما يضرّها.

نسأل الله أن يجعل ما تقوم به برًّا مقبولًا، وصبرًا مأجورًا، وذخيرة لك يوم تلقاه، وأن يشفي والدتك شفاءً لا يغادر سقمًا، وأن يجمع لك بين رضاه ورضاها، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً