الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الديون تحوم حولنا من كل مكان بسبب سوء تصرف زوجي!

السؤال

متزوجة منذ 8 سنوات، وأعمل في القطاع الحكومي، وزوجي يعمل في شركة قطاع خاص، بعد الزواج بشهور قليلة أغلقت الشركة فرعها في المحافظة، واضطررتُ لبيع ذهبي له لإنشاء محل تجاري صغير ليعمل فيه، لكن الديون لم تتركنا يومًا؛ إذ تراكمت ديون الزفاف، مع ديون المحل، ومرض والدته.

عرض عليه أحد الأصدقاء أن يبدءا معًا مشروع تقسيط أجهزة، على أن يكون له ثلث المكسب، وبعد مرور عام طلب صديقه إيقاف المشروع، ورد المبلغ، لكنه أثناء ذلك كان قد أخذ من مال التقسيط، واشترى بضائع للمحل دون الرجوع لصاحب المال، مما أدى إلى عجز شديد في رد الأموال، وبقي عليه أكثر من 80 ألف جنيهًا لا يستطيع ردها.

وأثناء ذلك وقع أخوه في ضائقة مالية ترتب عليها سجنه، فاضطر زوجي – دون علمي – أن يأخذ قرضًا لإخراج أخيه من محبسه، وبعدها استسهل أموال تلك الشركات، فأخذ يسحب منها قروضًا كثيرة، وفوجئتُ بتلك الديون المتراكمة لدرجة أنه كان يسدد في الشهر الواحد ما يقرب من 20 ألف جنيهًا، وهو مبلغ كبير جدًا بالنسبة لدخله من محل صغير في قرية صغيرة.

بالإضافة إلى ذلك، كان كسولًا جدًّا، لا يفتح المحل إلا ساعات قليلة، وليس لديه خبرة تجارية، فكان يخسر الكثير من الأموال في شراء أشياء لا يحتاجها الناس، وهكذا تراكمت علينا الديون.

ويشهد الله أنني منذ أول يوم زواج أساعده بكل أموالي، وما أوتيت من قوة، وأهلي يساعدونني، وأنا أشتري جميع لوازم البيت، ولا أطلب منه إلا عندما تنفد جميع أموالي؛ لأني كنت أرى حرمة مال الشركات أن أطعم منه نفسي أو أطفالي.

بعدها طلب من أحد أصدقائه أن يشاركه في المحل، فوافق وأعطاه مبلغًا كبيرًا، لكنه ضاع أيضًا في المحل، وقروض الشركات، وبقيت الديون كما هي، ثم أخبرني أنه سيطلب قرضًا آخر بمبلغ كبير جدًا، لكني انهرت وأخذت أولادي إلى بيت أبي، وبقينا ما يقارب العام، ولم يرسل لي جنيهًا واحدًا، وبعد أن وصلنا إلى الانفصال، ترجاني كثيرًا أن نعود، وقال إنه لم يبقَ إلا القليل من الديون عليه، وإنه لم يأخذ جنيهًا واحدًا من الشركات بعد أن غادرنا، فرجعنا معه، لكنه كان كاذبًا؛ فقد اقترض أكثر من 5 قروض جديدة، وأصبح صديقه يطالب بأمواله، والديون تحوم حولنا من كل مكان، ولم تعد الشركات تريد إقراضه أكثر.

وعرفتُ مؤخرًا أنه طلب من تاجر يتعامل بالربا أن يعطيه أكثر من 250 ألف جنيهًا لسداد الديون، ومع ذلك لم تنتهِ.

أنا في حيرة شديدة من أمري: هل أتركه وأمضي أنا وأولادي؟ وهل ما أطلبه منه للمنزل يعتبر من مال حرام؟ لأني لم أعد قادرة على تلبية احتياجات أولادي وحدي، وهم حاليًا في مراحل تعليمية، لم أعد قادرة على تحديد ماذا أفعل، وأرجو المساعدة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله العظيم أن يفرج كربك، وأن يهدي زوجك، وأن ييسر أمرك.

الحقيقة أنك لا تعيشين أزمةً مالية فقط، بل تعيشين أزمة أمان وأمانة وقيادة؛ لأن المشكلة لم تعد قلّة رزق، بل سوء تصرّف، وكذب، واستهانة بالديون، ودخول متكرّر في الحرام مع علم وإصرار؛ فزوجك لم يُبتلَ فقط، بل أخطأ، ثم كرّر الخطأ، ثم كذب، ثم أخفى، ثم استسهل أموال الناس، ثم تورّط في الربا، وهذه ليست هفوة، بل مسار كامل خاطئ.

والديون التي تُسدد بالعشوائية، والقروض التي تُؤخذ دون حساب، والكذب عليك، وإدخالك في دوامة لا نهاية لها، كل ذلك يسقط عنه صفة الأمان المالي والأسري.

ولا يخفى عليك أن الربا ما دخل بيتًا إلا أفسده، لذا حذّر القرآن منه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وهو حرب معلنة مع الله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فكيف يستقر بيت أُعلنت فيه الحرب مع الله؟! وكيف يُرجى أمان لأولاد يُربَّون في ظل هذا المستنقع؟!

وسؤالك: هل تتركينه وتأخذين أولادك؟
فنقول لك بوضوح: إن كان مستمرًّا في الكذب، مصرًّا على الربا، رافضًا لأي خطة إصلاح حقيقية، ولا يزال يُغرقكم في ديون بلا نهاية، ولا يقوم بواجبه في النفقة، ولا يحفظ لك ولا لأولادك أمانًا، فاستشيري أهلك، ولا تعرضي نفسك وأولادك للخطر، فالصبر لا يكون على الحرام الممنهج، ولا على ضياع الأولاد، ولا على كسر النفس بلا أمل إصلاح.

وعليه فنصيحتنا لك:
وقفة حاسمة مكتوبة أو مشهودة:
- إمّا توبة صادقة من الربا، ووقف الاقتراض فورًا، وخطة واضحة لسداد الديون، وتسليم إدارة المال لجهة أمينة، أو انفصال يحفظ كرامتك وأولادك.

- لا توقيع، ولا ضمان، ولا مشاركة في أي دين بعد اليوم، مهما بكى أو وعد.

- جلسة صادقة مع أهله، أو من يحترم رأيهم، على أن يقدم الوعود الصادقة ويبذل الأسباب الطبيعية لسداد الدين، وعليكِ متى ما وجدتِ الصدق فيه أن تعينيه وأن تبذلي كل ما يمكنك بذله لإعانته.

هذا هو الطريق، ولا بد أن تشكري أهل الحكمة والعقل من أهلك في أمورك حتى يعينوك بالمشورة وسداد الرأي.

نسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً