الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأبهر الكتفي حول معاناتي من جسدية إلى نفسية!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أولاً: أشكركم على هذا الموقع المبارك، وجعله الله في ميزان حسناتكم، أما بعد:

فأنا شاب في الثلاثينيات من العمر، محافظ على الصلوات الخمس في المسجد، وعلى قراءة الورد اليومي من القرآن الكريم، ومواظب على أذكار الصباح والمساء، وغير مسبلٍ لثيابي، ولا حليقٍ للحية؛ اقتداءً برسولنا الكريم -عليه الصلاة والسلام- والحمد لله.

قبل أكثر من اثنتي عشرة سنة، أُصبت بألم شديد في كتفيّ، وبعد فحوصات طبية لم يجدوا شيئاً، وتبين لي بعد ذلك أنه (الأبهر الكتفي)، لكن المشكلة ليست فقط في الوجع الشديد، بل فيما يسببه لي من مخاوف وحزن وكآبة، وقلة خشوع وتركيز في الصلوات، حتى إنه أصابني بالجبن!

انقلبت حياتي؛ فقد كنت أخشع في صلاتي، ولم أعد! وكنت أشعر بسعادة، ولم أعد! وكنت شجاعاً غير جبان، ولم أعد! حتى في الوزن الجسدي، كنت في حالة وزن لا بأس بها، والآن أنا في شبه نحافة.

سؤالي: هل يعقل أن ما أصابني عينٌ أو سحرٌ مثلاً؟ لأني أجريتُ "أشعة مقطعية" ولم يجدوا شيئاً، وتعالجتُ بعدة دهانات ومراهم، وحتى مارستُ الرياضة، وذهبتُ إلى مكة المكرمة معتمراً، واغتسلتُ وشربتُ من ماء زمزم، لكن لا شيء؛ فإلى اليوم وأنا أعاني من هذا الألم، ما تفسيركم لهذا؟ وما العلاج له؟

هناك أمر أخير، وهو أن أحد أقربائي تسلط وتعدى علي مؤخراً، وشتمني وباغتني بلكمة على وجهي، وأنا -بسبب الخوف والجبن الذي حدثتكم عنه وألمّ بي- لم أفعل شيئاً وتركته يذهب! الآن أنا أفكر في الانتقام منه، رغم أني أدعو عليه ليلاً ونهاراً، ما توجيهكم في هذه المسألة أيضاً؟ هل أستمر في الدعاء عليه أم أعفو عنه رغم ظلمه لي؟

أستسمحكم على الإطالة، وشكراً لكم مرة أخرى، وأرجو الإفادة منكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ س،م حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الكريم- في إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، وبالله تعالى أستعين:

اعلم أن كلَّ شيءٍ يحدث في هذا الكون إنما يحدث وفق ما قضاه الله وقدَّره، ولا يتخلَّف عن هذا شيء، والأمر كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: (قدَّر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، ولما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: (اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (كل شيء بقضاء وقدر، حتى العجز والكيس)، والكيس: الفطنة.

يقول شداد بن أوس رضي الله عنه: (يا أيها الناس، لا تتهموا الله في قضائه، فإن الله لا يبغي على مؤمن، فإذا نزل بأحدكم شيء مما يحب فليحمد الله، وإذا نزل به شيء يكره فليصبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب).

ما ذكرته عن نفسك في استشارتك يدل على صدق تدينك واستقامتك -ولله الحمد-، والمؤمن مبتلى في هذه الحياة، ويعيش بين مرتبتي الصبر والشكر، كما ورد في الحديث: (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكانت خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكانت خيرًا له).

ما ينزل بالمؤمن من بلاء، من مرض أو ضيق في الرزق أو غير ذلك، إلا كان في ذلك تكفير لذنوبه، يقول -صلى الله عليه وسلم-: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه).

قد يكون وراء هذه المحنة منحة عظيمة، فهذه الحياة كلها ابتلاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، وحين سأل سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة).

ليس كل ما يُصاب به الإنسان يُصنَّف على أنه عين أو سحر، وإن كان ذلك حقًّا، لكن لا يجوز الجزم بذلك.

الأعراض التي تشكو منها كما يأتي:

• استمرار الأعراض على وتيرة واحدة أكثر من اثنتي عشرة سنة.
• بدأ الألم جسديًا في الكتف والأبهر.
• أعقبه قلق، وخوف، واكتئاب، وضعف ثقة، وتراجع في الوزن، وقلة خشوع.
• الفحوصات العضوية طبيعية.
• العبادات قائمة، ولم يحدث انقلاب سلوكي أو ديني جذري.

وهذه الأعراض تُصنَّف على أنها نوع من الاضطراب والقلق المزمن والتوتر النفسي الجسدي، وهذا شائع عند كثير ممن يُصاب ببعض الأمراض فيصبر عليها وتطول المدة، ومع طولها تظهر هذه الأعراض.

لا يوجد ما يقطع بكون ما تعاني منه سحرًا أو عينًا، وليس صحيحًا لا شرعًا ولا عقلًا أن يُفسَّر البلاء بذلك، بل الأقرب أنه ابتلاء نفسي جسدي مركَّب، ولا تعارض أبدًا بين الرقية الشرعية والعلاج الطبي النفسي.

السبب في حدوث هذا التأثير النفسي هو أن الألم طال، وعجزت عن تفسيره، وقد أصاب منك موضعًا حساسًا، وتزامن مع ذلك حدوث خوف، وكل هذا غيَّر تصورك عن نفسك دون أن تشعر؛ فأنت لست جبانًا حقيقة، بل أصبحت قلقًا متوجسًا، والقلق يلبس لباس الجبن، وهكذا الشجاعة؛ فأنت لم تفقدها، ولكنك فقدت الأمان النفسي، والفرق بين الأمرين واضح.

قلة الخشوع لست الوحيد الذي يشتكي منها، بل حتى من لم يكن مصابًا بأي مرض؛ فكثرة الأشغال، وانشغال البال، وتشتت الذهن، يؤدي إلى قلة الخشوع أو ذهابه بالمرَّة، وهذا أمر طبيعي.

نص العلماء على أن: "الخشوع ثمرة سكون القلب، ولا يُطلب ممن قلبه مجروح أن يكون حاضرًا كالصحيح"، فلا تُحاسب نفسك على أمر خرج عن قدرتك، ولا تجعل الشيطان يدخل عليك من هذا الباب.

دونك العلاج المتوازن للخروج مما أنت فيه -بإذن الله تعالى-:

- استمر بأذكار الصباح والمساء وسائر الأذكار، ولكن بلا توتر ولا ترقُّب للنتيجة، واقرأ الرقية بنية التعبد والتسليم، لا التفتيش عن العارض.

- تضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وتحين أوقات الإجابة، ومنها الثلث الأخير من الليل وأثناء السجود، وأكثر من التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى، والهج بهذا الدعاء: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل".

- أنت بحاجة إلى مراجعة طبيب نفسي مختص، وما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء، وأخذ العقاقير الطبية لا ينافي التوكل على الله تعالى، وكما سبق فإن الألم المزمن يولِّد الخوف، واستمرار الخوف يولِّد اكتئابًا خفيًّا، والاكتئاب يجعل الإنسان جبانًا ويفقد الإنسان وزنه.

- لا تشغل بالك بالمرض، واجتهد في نسيان الأمر، واحذر أن تردد في نفسك: "أنا تغيَّرت ولم أعد كما كنت"، بل كن مطمئنًا، وأحسن الظن بالله تعالى، وارض بما قضاه الله وقدَّره.

- ما حدث لك من الاعتداء، وغضبك الشديد بسبب ذلك، وعدم قدرتك على الرد على من اعتدى عليك، ورغبتك الآن في الانتقام، هذا أمر طبيعي، غير أن عدم ردك في نفس الوقت ليس جبنًا منك؛ فالجسد قد يدخل أحيانًا في لحظة الصدمة في حالة تجمُّد وتصلُّب، وهذا رد فعل عصبي لا أخلاقي، فلا تَجلد نفسك.

في حالة الظلم أنت مخيَّر بين ثلاثة خيارات، وكلها جائزة:
1. الدعاء عليه بقدر ظلمه.
2. أخذ حقك بالطرق النظامية، وهذا أفضل من الأخذ باليد.
3. العفو مع القدرة، وهذا أفضل وأعظم أجرًا.

في حال وجود غضب شديد مكبوت من الحادثة، والاحتراق داخليًا، وشدة لوم النفس، فالعفو الآن قد يضرّك نفسيًا، وفي هذه الحال يمكنك تأجيل قرار العفو حتى تهدأ نفسك، ويجوز لك طلب حقك عن طريق الجهات الشرعية والقانونية.

نوصيك بكثرة الاستغفار والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فهما من أسباب تفريج الهموم، وتنفيس الكروب، وغفران الذنوب، ففي الحديث: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب)، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: (إذًا تُكفَى همَّك ويُغفر لك ذنبك).

والخلاصة، أيها الأخ الكريم:

• أنت لست ضعيفًا.
• ما تعاني منه ليس دليل سوء خاتمة ولا نقص إيمان.
• البلاء الطويل يغيِّر النفس، لكنه لا يفسدها.
• الجمع بين الرقية والعلاج النفسي هو الطريق الأقرب للشفاء.
• لا تستعجل الحكم على نفسك ولا على قدرك.

وختامًا: أذكرك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من يُرِدِ الله به خيرًا يُصِبْ منه)، والابتلاء علامة محبة الله تعالى للعبد، يقول عليه الصلاة والسلام: (إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله -عز وجل- إذا أحب قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)، فعليك بالرضا بقضاء الله وقدره، وحذارِ التسخُّط، وإلا فالجزاء من جنس العمل.

أسأل الله أن يربط على قلبك، ويعافيك عافيةً تامة، ويرد إليك قوتك النفسية والجسدية، ويجعل ما أصابك رفعةً لك في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً