الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشعر بالذنب والضياع بسبب وفاة أختي، فكيف أخرج من هذه الحالة؟

السؤال

السلام عليكم.

مرضت أختي وكانت سلفتي في الوقت نفسه، واكتشفنا مرضها بالسرطان، وكان من أسبابه أنها مسحورة بسحر أسود، فكنت أنا الداعمة الأولى لها في بداية طريق العلاج معنويًا ونفسيًا، وحتى إني كنت أرقيها وأعيش معها معاناتها أثناء الرقية وأعراض العارض.

فجأة، بعد شهور، أصبحت تشعر بنفور من وجودي وتبغضني، ومنعتني من رؤيتها، وأنا من ألمي وحزني انزويت في بيتي، وحجرت نفسي عن الناس نوعًا ما، وتوفيت أختي وفي قلبها حقد شديد عليّ، ولم أكن أعلم السبب اليقين.

اليوم أنا شخص لديّ عارض في البطن؛ فأنا أشكو من تكيّس في المبيض، وآلام في الرأس والعيون، وعندي آلام وتململ في القدمين، ومع تشخيص العارض، لا أرى خلافًا في حياتي الاجتماعية أو في أسرتي، إلا إنني أرى نفسي أعيش مجاملة في بعض العلاقة مع زوجي، ولست أعلم الأسباب المباشرة.

أنا دائمًا في عصبية داخلية مع أولادي، لا أتقبل اقترابهم إلى حدّ معين، وأشعر ببعض الضياع، هل أنا ما زلت في صدمة وفاة أختي؟ أم أن سحر أختي أثّر عليّ؟ أم أني مسحورة كما شخّص لي أحد المشايخ؟ وأنا دائمًا لدي شعور بالذنب أنني لم أبقَ بقرب أختي رغمًا عنها، أنا في صراع أليم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Thouraya حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا العزيزة- في استشارة إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، وبدايةً نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يذهب عنكِ كل سوء ومكروه، وأن يكتب لكِ العافية والشفاء، وأن يعظم أجركِ في وفاة أختكِ.

ثانيًا: ما حصل من موت أختكِ، اعلمي يقينًا -أيتها الكريمة- أنه بقضاء الله تعالى وقدره، وأن النفس البشرية لا يمكن أن تموت إلا بإذن الله تعالى في الأجل الذي قدّره الله تعالى، وإن تعددت الأسباب، فقد قال الله في كتابه: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا}.

فلا ينبغي أن تذهب نفسكِ حسراتٍ وآلامًا لموت أختكِ، أو لكونها ماتت وهي تحقد عليكِ حقدًا شديدًا بسبب انطوائكِ عنها، فهذه أمور قد مضت، قد قدَّرها الله تعالى، ولم تكوني أنتِ متسببةً فيها.

فادفعي عن نفسكِ هذا الشعور الذي يحاول أن يقيد حركتكِ، والشيطان حريص غاية الحرص على أن يوقع الإنسان المسلم في حزن وكآبة وضيق، ويتخذ كل الأساليب والأسباب التي توصل إلى هذه النتيجة، فقد قال الله تعالى عنه في كتابه الكريم: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}.

فالشيطان حريص على أن تكوني حزينةً مكتئبة، ويختلق الأعذار العديدة التي تبرر لكِ هذا الحزن، وتوقعكِ في مزيد منه، فادفعي عن نفسكِ هذا بالإيمان بالقضاء والقدر، وأن الله تعالى قد علم كل شيء وكتبه، فكل شيء يقع فإنه قد كُتب قبل أن نخرج إلى هذه الدنيا.

فإذا آمن الإنسان بهذه العقيدة عاش حياةً سعيدة، لا يأسف ولا يحزن على شيء فات، ولا يقلق ويهتم لما هو آتٍ في المستقبل، وقد قال الله في كتابه الكريم: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.

فعند الإيمان بالقضاء والقدر لا يحزن الإنسان على الأشياء الماضية؛ لأنه يعلم أنها وقعت بقضاء الله وقدره، ولا يبطر ويفرح لما أعطاه الله تعالى؛ لأنه يعلم أنه أيضًا حصل بقضاء الله تعالى وقدره.

فكوني مطمئنة البال، منشرحة الصدر بإيمانكِ بقضاء الله تعالى وقدره، وأن الله تعالى رحيم بنا لا يقدر لنا إلَّا ما هو خير لنا، وإن ظهر في مظهر الابتلاء والشيء المكروه، ولكنه ينطوي على أمور كثيرة من المحبوبات ومنها الأجر والثواب المرتب على المصائب والأحزان.

وبالنسبة لموضوع أختكِ وأنها ماتت بسبب السرطان أو بغيره، وهل كان ذلك بسبب السحر أو نحو ذلك، هذه كلها أمور قد وقعت وقد توفيت أختك، نسأل الله تعالى أن يرحمها وأن يجعل ما أصابها كفارةً لذنوبها ورفعةً لدرجاتها، لكن المهم في الموضوع هو أنتِ، أنتِ لا ينبغي أن تحزني لشيء قد فات، فقد ماتت أختكِ في أجلها الشرعي، ما كان يمكن أبدًا أن يتقدم ولا أن يتأخر، وكونها ماتت وهي تجد عليكِ في قلبها شيئًا بسبب مرضها، أو بسبب سحرٍ تعرضت له أو بغير ذلك، هذا لا يؤثر عليكِ أنتِ ولا يلحقكِ به إثم، وهذا يكفي أنكِ كنتِ حريصةً على البر بها، والآن ينبغي أن تحرصي على الشيء الذي ينفعها، فأكثري لها من الدعاء والاستغفار، فإن هذا ينفعها بإذن الله تعالى.

وأمَّا حالتكِ أنتِ الآن، فننصحكِ بألَّا تستسلمي لأوهام السحر، وأنكِ أصبتِ بسحر أو شُخص لكِ أنه سحر أو غير ذلك، لا تستسلمي لهذه الأوهام؛ لأن هذه الأوهام إذا تسلطت عليكِ لن تزيدكِ إلَّا ضعفًا وحزنًا وكآبة، كل الناس يمرضون، والأمراض متعددة ومتنوعة، والرسول ﷺ يقول: «ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواءً»، وأرشدنا إلى التداوي، قال: «تداووا عباد الله».

فأنتِ خذي بالأسباب المشروعة المباحة في مدافعة الأقدار المكروهة، واستعيني بالله ولا تعجزي، لا تفرطي في شيء تقدرين عليه، التمسي الدواء الحسي لدى الأطباء الذين يداوون هذا النوع من الأمراض، والتمسي وابحثي عن الدواء الشرعي المعنوي الروحي، من خلال التحصن بذكر الله تعالى، والإكثار من استعمال الرقية الشرعية، ولترقي نفسكِ بنفسكِ.

اقرئي القرآن، سورة البقرة -وخاصةً آية الكرسي-، والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، وسورة الفاتحة، والآيات التي فيها إبطال السحر في القرآن الكريم، واقرئي المعوذتين: {قل أعوذ برب الفلق} و{قل أعوذ برب الناس} و{قل هو الله أحد}، اقرئي هذا كله، وانفثي على يديكِ، وامسحي جسدكِ، اقرئي هذا وانفثي في ماء واشربي هذا الماء، واغتسلي منه، فهذه الرقية تنفعكِ -بإذن الله تعالى- سواء كان نزل بكِ مكروه أو لا؛ لأنها مجرد أذكار وأدعية.

كرري هذا واصبري على لزوم هذا الطريق، وأكثري من ذكر الله تعالى، ستجدين نفسكِ -بإذن الله- تتحسن حالتكِ النفسية وحالتكِ الجسدية.

نسأل الله أن يُقدِّر لكِ الخير، وأن يصرف عنكِ كل سوء ومكروه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً