الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الندم يرهقني ويخنقني نفسيًا بسبب اختياري الجامعي، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم.

بارك الله فيكم، أنا طالب دكتوراه، سافرت إلى الهند لإكمال دراستي، ومنذ قرابة أربعة أشهر وأنا أعيش حالة نفسية صعبة بسبب كثرة اللوم والتحسر؛ فقد كانت لدي في السابق فرصة للتقديم في جامعة أفضل من حيث المعايير الأكاديمية، لكنني لم أتقدم لها، واخترت الجامعة التي أدرس فيها الآن عن قناعة حينها، إلا أنني بعد وصولي شعرت بعدم الارتياح، وتعقدت نفسيًا.

ومشكلة التحويل صعبة جدًا، وقد تترتب عليها خسائر مالية، والعودة للبلد دون إكمال الدراسة، في ظل ميزانية محدودة، وخوف من خذلان أهلي بالفشل؛ كل ذلك جعل الندم يرهقني ويخنقني نفسيًا، حتى في تنفسي صباحًا ومساءً، وبدأت أهمل دراستي، ومضى علي الآن ٤ أشهر، لم أعمل شيئًا بسبب تغير النفسية، وفرط التفكير، وأظل أتساءل: لو أنني تقدمت لتلك الجامعة، هل كنت سأكون اليوم أكثر راحة وطمأنينة؟

السؤال الذي يؤرقني: هل ما حدث معي هو قدر كتبه الله لي في علم الغيب، وأنني لم أكن لأدرس في جامعة لم يُقدّرها الله لي مهما حاولت؟ أم أن الأمر راجع لاختياري الشخصي وتقصيري، وبالتالي أتحمل تبعاته؟

لقد لجأت إليكم بعد الله عز وجل؛ لعلّي أجد ما يريحني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ فهد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

بدايةً، أسأل الله أن يعينك على هذا الواقع، وأن يهوِّن عليك ما تمر به.

أخي الكريم: ما تعيشه من مشاعر الندم والخوف هو أمرٌ شائع وطبيعي لمن يمر بمثل حالتك، ويُعرف في علم النفس بالتفكير الافتراضي المقارن؛ وهو نمط تفكير لا يقيس الواقع كما هو، بل يقارن الواقع الحالي بصورة ذهنية مثالية متخيَّلة، يُسقطها الإنسان على خيارٍ مثالي آخر لم يعشه فعليًا، والذي دفعك إلى هذا النوع من التفكير هو مجموعة من الضغوط النفسية المتراكمة؛ من أبرزها ضغط الدراسة والتزاماتها، والابتعاد عن البيئة الاجتماعية التي كنت تشعر فيها بالألفة والراحة، والانتقال إلى بيئة جديدة تختلف عنك في اللغة، والعادات، والنمط الاجتماعي.

هذه العوامل مجتمعة أدت إلى شعورك بالضيق والقلق، فبدأت النفس تبحث عن متنفس يخفف من حدّة هذا التوتر، وكان الخيار الأسهل هو الدخول في مقارنة بين قرار الالتحاق بإحدى الجامعتين.

والحقيقة أنك لا تُجري مقارنةً أكاديمية دقيقة وموضوعية بين الجامعتين، بقدر ما تبحث –عن الهروب النفسي– من خلال الصورة التي تتخيل أنها أكثر راحةً وطمأنينةً لك، وهو ما يُعد نوعًا من التحيز المعرفي، لا يقوم على تقييم موضوعي وعلمي دقيق؛ إذ لا توجد أي ضمانات حقيقية بأن تلك الجامعة كانت ستمنحك راحة نفسية أكبر، أو بيئة أكثر دعمًا، أو مسارًا دراسيًا أسهل، أو ظروفًا معيشية أفضل مما أنت فيه الآن.

وعليه، فالجامعة ليست هي السبب الحقيقي للألم الذي تمر به، لكنها تحولت –نفسيًا– إلى شماعة علّق عليها العقل كل هذا الثقل؛ فالاغتراب، وضغط الدكتوراه، والخوف من الفشل، وتوقعات الأهل، كلها اجتمعت، فبحث الذهن عن سبب واحد يُسقط عليه هذا العبء، فكان قرار الجامعة.

لذلك -أخي الكريم- نضع بين يديك مجموعة من التوجيهات والنصائح العملية، ونسأل الله أن ينفعك بها، ويعينك على العمل بها:

أولًا: الوعي بطبيعة المرحلة التي تمر بها أمرٌ بالغ الأهمية، وهو من أهم أسباب تحقيق الاستقرار النفسي؛ فمرحلة الدراسات العليا تتسم بالاجتهاد وبذل الوسع، واستنفار القدرات والخبرات لتحقيق أقصى درجات الاستفادة العلمية، وهذا بطبيعته يفرض حالة من الإرهاق النفسي والأكاديمي، ويبعدك مؤقتًا عن صورة الراحة التي تطمح إليها.

ومن المهم أن تدرك أن هذا الوضع مؤقت وليس دائمًا، ويُعينك على ذلك استحضار لحظات التفوق السابقة والقادمة -إن شاء الله-، واستذكار الهدف النهائي من هذه الرحلة، وهو نيل درجة الدكتوراه، مع التوقف التام عن المقارنات والتفكير في الجامعة الأخرى، وخاصةً وأن الانتقال تحفّه عوائق كثيرة مرهقة نفسيًا وماديًا.

ثانيًا: لا يوجد قرار مثالي بصورة مطلقة، وإنما يوجد قرار يقترب من الصواب، ويحقق الأهداف بأفضل صورة ممكنة في حدود الواقع، وإدراك هذا الأمر يجعلك تعلم أن الانتقال إلى جامعة أخرى –لو تم– لن يكون خاليًا من الضغوط والتحديات، بل قد تقل أو تزداد بصور مختلفة؛ فالمشكلة ليست في القرار ذاته، وإنما في طريقة النظر إليه، وفي قدرتك على التكيف معه؛ حتى لا يتحول إلى سبب للتعثر، أو الفشل في واقعك الحالي.

ثالثًا: قرارك السابق –كما ذكرت– كان قرارًا مدروسًا، اتخذته عن قناعة، وفي ضوء المعطيات المتاحة حينها، وهذا وحده كافٍ لتحقيق الرضا النفسي، وما تعانيه الآن من ضيق لا يعود إلى خلل في القرار من الناحية الأكاديمية، بل إلى مشاعر عدم الارتياح النفسية التي نشأت لاحقًا؛ مما يؤكد أن جوهر المشكلة نفسي لا أكاديمي، وإصلاح الجانب النفسي يزيل كل المشكلة.

رابعًا: الإيمان بالقدر لا يعني الاستسلام للعجز، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، فما حصل لك هو بقدر الله، لكن هذا القدر لا يلغي سعيك، ولا يُسقط مسؤوليتك عن الاجتهاد، وبذل الأسباب، فكل ذلك من قدر الله أيضًا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك"، والتفكير بالقدر لا يعني الرضا بما يؤذيك دون سعي للإصلاح، بل إن سعيك في رفع الضر عن نفسك، وتحقيق النجاح، هو من صفات المؤمن القوي، ولك أن تتأمل حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير".

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان"؛ فالحرص على ما ينفعك بالسعي إليه، وترك السعي عجز، وإن بذلت جهدك، واجتهدت، ثم لم يتحقق ما تريد، فلا تفتح على نفسك باب الندم والحسرة الذي يُقعدك عن الإنجاز، ويوقعك في العجز -الذي تشعر به الآن-؛ فكثرة التعلق بـ لو تُغذي الحزن، وتفتح باب التوتر، وتُشغلك عن واقعك الحاضر، ودراستك الآن، وهو من أحبّ ما يريده الشيطان؛ ليصرفك عن الاستمرار والتفوق.

أخي الكريم: أنت بحاجة إلى التوقف عن جلد الذات، والفصل بين أعباء الدراسة والجامعة من جهة، وبين القلق والتوتر النفسي من جهة أخرى، ولتجتهد في علاج الثاني، وسترى أن كثيرًا مما تعانيه ليس إلا نتائج طبيعية لهذا القلق.

ابدأ من الآن بتنظيم وقتك تنظيمًا متوازنًا وحازمًا؛ بأن تجعل وقتًا محددًا للدراسة، ووقتًا للنشاط البدني، ووقتًا للراحة، وبناء العلاقات الاجتماعية، والمشاركة في أي نشاط تطوعي إن أمكن؛ فهذا التنظيم سيُخرجك من دوامة التفكير الزائد، ويعيد تركيزك إلى واقعك الحالي، ويُنسيك تبعات قرار مضى وانتهى ويصعب إصلاحه.

أخيرًا -أخي الكريم-: امنح الجانب الروحي أكبر قدر من العناية؛ فما تمر به يحتاج إلى سكينة، وثقة، وطمأنينة، وأعظم ما يحقق ذلك هو تقوية الصلة بالله تعالى بالإكثار من تلاوة القرآن، وذكر الله، والمحافظة على الصلاة، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

أسأل الله لك التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً