الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

متعلقة بأمي وأدخل في شجار معها بسبب عدم تقبلي فكرة الزواج!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا بنت عمري عشرون سنة، ولي أخ وأخت أصغر منّي، أنا شخصية منغلقة، ولا أعرف كيف أعبّر عن مشاعري، خصوصًا مع أهلي، كما أنّ تفكيري مختلف قليلًا عن البنات الأخريات في موضوع الزواج والحب والارتباط.

في هذه الفترة تقدّم لي بعض الرجال، لكنّي أرفض كلّ من يأتي بسبب دراستي، وبسبب عدم استعدادي للزواج، وللأسف أمّي حزينة بسبب ذلك، منذ فترة بدأت أمّي بشراء بعض الأشياء لتجهيزي، وكنت أرفض؛ لأنّي أرى أنّ في الأمر استعجالًا، لكن الآن صار الموضوع عاديًّا، إذ أنّ الأسعار تزداد يومًا بعد يوم.

من ناحية تفكيري وإحساسي بأني غير قادرة على أخذ هذه الخطوة، ولست مستعدّة نفسيًّا لتقبّل رجل في حياتي، ولا مستعدّة من ناحية الإنجاب، وكلّما تقدّم شخص أبدأ في البكاء، وأشعر بالاختناق وعدم السعادة.

فكّرت في الموضوع من عدّة جوانب، لأكون منطقيّة وموضوعيّة، لكن في كلّ مرّة ينتهي الأمر بالرفض وعدم التقبّل، لا أعلم هل السبب أنّ أهلي أغلقوا عليّ، فلا أتقبّل بسهولة، أم أنّه صدمة من الماضي، أم ماذا؟! أريد أن تتفهّم أمّي مشاعري وتفكيري في هذا الموضوع؛ لأنّي كلّما فكّرت فيه حزنت بسبب معرفتي أنّها حزينة.

أنا فعلًا لا أعرف كيف أعبّر عن مشاعري أو أفكاري أمامها؛ إذ أشعر دائمًا أنّها لا تتفهّم ما أقول، وحاولت أن أشرح لها، لكنّها قالت: ما معنى عدم الاستعداد النفسي؟ وأحيانًا لا تعطيني فرصة للنقاش، فيكون ردّها بعدم الاستماع أو الفهم.

لا أعرف ماذا أفعل، ولا كيف أتقبّل ذلك! وحاولت التفكير والكلام مع شخص تقدّم لي، وحاليًّا هناك شخص آخر تقدّم، لكنّي غير متقبّلة حتى أن أراه.

أنا حزينة بسبب حزن أمّي، ولا أعلم كيف أرضيها، فأرغم نفسي على مقابلة الناس والتكلّم معهم وأنا غير سعيدة.

للتوضيح: أنا لا أرفض مبدأ الزواج، لكنّي غير متقبّلة له حاليًّا، ولا أعلم متى يمكنني تقبّله، بالنسبة لي الزواج أمر لطيف، لكن نفسي غير متقبّلة له الآن.

أشعر بالراحة وأنا وحدي، وأقلق من فكرة دخول رجل جديد إلى حياتي، الزواج ليس أساسيًّا بالنسبة لي، لكن لا أنكر أنّي أحيانًا أشعر بالوحدة، خصوصًا أنّه ليس لديّ أصدقاء.

أهلي متشدّدون ويخافون عليّ كثيرًا لأنّي الكبيرة، أنا طموحة في العلم، ولا أراه سببًا يمنع الزواج، لكنّ ما أصل إليه دائمًا هو عدم تقبّلي للزواج، وعدم تفهّم أمّي لأسبابي.

أريد أن أعرف كيف أتخلّص من تعلّقي بأمّي؛ إذ ليس لديّ أصدقاء، وأمّي هي صديقتي الوحيدة، وكلّما كبرت صار التعبير عن مشاعري أمامها أو الدخول في نقاش معها صعبًا.

أحبّها جدًّا، وأبحث عن رضاها، لكن لا أعلم كيف أتخلّص من هذا التعلّق، تخاف عليّ دائمًا أكثر من إخوتي لأنّي الكبيرة، وهذا للأسف سبّب لي عقدة وأرهقني، لا أعلم هل هو تعلّق مرضي أم ماذا؟! لكنّي كلّما كبرت حزنت بسبب أسلوبها معي.

هي أمّ جيّدة جدًّا، رضي الله عنها وأدخلها الجنّة، لكن صار الكلام بيننا فيه حدّة وعدم فهم لمشاعري، وأنا لا أستطيع التعبير عن مشاعري.

صار هناك تكرار في المواقف؛ فإذا حصل نقاش بيننا تتوقّع ردّ فعلي وتصرفي، وهذا لا أريده، إذ كما يقولون "أخذت مناعة من الموقف" وأنا لا أقصد أن أعطيها ردّ فعل سيّئ، لكن لديّ أفكار أحيانًا تكون على عكس المعتاد.

مشكلتي كلّها أنّي لا أعرف كيف أتخلّص من تعلّقي بأمّي في كلّ شيء في حياتي، وأن يكون لي بعض الحرّية في اختياراتي لنفسي، لا أستطيع التحدّث وجهًا لوجه عن مشاعري، إذ أبدأ بالبكاء أو أرفع صوتي أحيانًا، لكن يكون ذلك غصبًا عنّي في طريقة التعبير، وينتهي الأمر بمشاجرة.

أريد الإفادة، لو سمحتم، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Person حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك لتواصلك معنا وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك أختي الكريمة أنك تعانين من عدة أمور متداخلة، ولفت انتباهي في رسالتك عبارة مهمة جدًّا وهي (لا أعرف كيفية التعبير عن مشاعري)، ولعل هذه هي المفتاح الحقيقي لحل ما تمرين به.

أولًا: أود أن أحييكِ على وعيك بمشاعرك وصدقك مع نفسك، فكثير من الفتيات يرغمن أنفسهن على قبول ما لا يقبلنه في أعماقهن، ثم تكون النتيجة زواجًا غير سعيد. إن معرفتك بأنك غير مستعدة نفسيًّا هو في الحقيقة نوع من الوعي الذاتي المحمود، وليس عيبًا كما قد تتصورين.

يمكن أن ننظر إلى حالتك من عدة زوايا:
الزاوية الأولى تتعلق بالتعلق بالأم: وهذا أمر طبيعي جدًّا خصوصًا أنك الابنة الكبرى وأمك هي صديقتك الوحيدة. لكن هناك فرق بين البر الواجب والتعلق المرضي الذي يعوق نموك النفسي واستقلاللك الطبيعي، يقول الله عز وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، فالإحسان للوالدين مطلوب ولكن دون أن يتحول إلى تعلق يشل حركتك في الحياة.

الزاوية الثانية تتعلق بمهارة التواصل والتعبير عن المشاعر: وهذه مهارة تُكتسب بالتدريب وليست فطرية عند الجميع. إن صعوبة التعبير عن مشاعرك أمام والدتك قد تكون نتيجة طبيعية لعدة عوامل، منها: الخوف من عدم الفهم أو الرفض، ومنها عدم وجود نماذج سابقة في الأسرة لهذا النوع من الحوار العميق، ومنها أيضًا خوف والدتك الشديد عليكِ الذي قد يجعلها تتصرف بحدة أحيانًا دون قصد.

الزاوية الثالثة تتعلق برفضك للزواج حاليًّا: وهنا أريد أن أطمئنك أن رفضك ليس مشكلة في حد ذاته، بل المشكلة هي عدم القدرة على توصيل أسبابك الحقيقية لوالدتك بطريقة تفهمها؛ حيث إنكِ ذكرتِ أنك لستِ ضد مبدأ الزواج، وإنما غير مستعدة نفسيًّا الآن، وهذا فرق جوهري؛ فالزواج في الإسلام ليس إلزامًا بوقت محدد، وإنما هو سنة من سنن الحياة تحتاج لاستعداد نفسي وعاطفي.

من الأمور التي سوف تعينك بإذن الله:
أولًا: بخصوص التعلق بالأم:
ابدئي بخطوات صغيرة لبناء استقلاليتك النفسية دون أن يعني ذلك العقوق أو الابتعاد عنها، وذلك عبر محاولة تكوين دائرة اجتماعية صغيرة ولو من خلال الدراسة أو الأنشطة المفيدة؛ فوجود صديقة واحدة أو اثنتين سيخفف من حدة التعلق بوالدتك، خاصة وأن الله عز وجل خلقنا كائنات اجتماعية، ووجود صديقات صالحات ليس ترفًا بل حاجة نفسية واجتماعية.

ثانيًا: بخصوص التعبير عن المشاعر:
اكتبي مشاعرك في رسالة لوالدتك بدلًا من المواجهة المباشرة التي تنتهي بالبكاء أو رفع الصوت. ابدئي الرسالة بالتعبير عن حبك وتقديرك لها، ثم اشرحي لها بهدوء أنك لست رافضة للزواج من حيث المبدأ، وإنما تشعرين أنك بحاجة لوقت لتنضجي نفسيًّا وتستعدي لهذه المسؤولية الكبيرة، أخبريها أن خوفها عليك وحبها لك تفهمينهما تمامًا، لكنك بحاجة لأن تشعري بالاستعداد الداخلي حتى يكون زواجك ناجحًا ومباركًا.

ثالثًا: بخصوص حزن والدتك:
من الطبيعي أن تحزن الأم عندما ترى ابنتها ترفض فرصًا للزواج؛ لأنها تخاف على مستقبلها، لكن عليك أن تدركي أن سعادة والدتك الحقيقية ستكون في رؤيتك سعيدة في زواج ناجح، وليس في زواج مبني على إرضائها فقط؛ لذا حاولي أن تشركيها في أحلامك وطموحاتك الدراسية والمهنية، واجعليها تفهم أن تأجيل الزواج ليس هروبًا وإنما تخطيطًا لحياة أفضل.

رابعًا: بخصوص مهارة التواصل:
ابدئي بتمارين بسيطة، مثل أن تخبري والدتك يوميًّا بشيء واحد عن يومك أو مشاعرك، حتى لو كان صغيرًا؛ فالتواصل العميق يُبنى بالتدريج وليس دفعة واحدة، وإذا شعرتِ أن المشاعر تطغى عليك أثناء الحديث، خذي نفسًا عميقًا وقولي لها: "أمي، أحتاج لحظة لأجمع أفكاري"، فهذا أفضل من البكاء أو رفع الصوت.

خامسًا: اطلبي من والدتك أن تسمعك دون مقاطعة لمدة خمس دقائق فقط، ثم تعطيك رأيها بعد ذلك؛ لأن المشكلة أحيانًا ليست في عدم الفهم، وإنما في عدم الإنصات الكامل؛ لذا قولي لها: "أمي، أنا أحبك وأحترم رأيك، لكني أحتاج منك أن تسمعيني تمامًا قبل أن تردي علي".

سادسًا: من المهم أن تعرفي أن مرحلة العشرينات هي مرحلة بناء الهوية الشخصية، وهذا يتطلب أحيانًا مساحة من الاستقلالية عن الوالدين، هذا ليس عقوقًا، بل هو نضج طبيعي، يقول الشاعر:
وَإِذا كانَتِ النُّفوسُ كِبارًا ** تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ
فطموحك للعلم ورغبتك في الاستعداد النفسي قبل الزواج، هي علامات على نفس كبيرة تريد أن تبني حياتها بوعي وإتقان.

سابعًا: بالنسبة لمشاعر القلق من دخول شخص جديد في حياتك؛ فهذا شعور طبيعي تمامًا خصوصًا للفتيات المنغلقات اجتماعيًّا، لكن عليك أن تعلمي أن هذا القلق قد يكون مؤشرًا على حاجتك لتوسيع دائرتك الاجتماعية تدريجيًّا قبل الزواج، حتى تعتادي على التعامل مع الآخرين؛ لذلك عليك أن تبدئي بخطوات صغيرة: شاركي في أنشطة جامعية، تطوعي في أعمال خيرية، كوّني صداقات مع زميلاتك في الدراسة.

ثامنًا: من المهم أن تفهمي أن تشدد والديك عليك ليس عيبًا فيهما، بل هو نابع من حبهما وخوفهما عليك؛ لذا فمن حقك أن تطلبي منهما تدريجيًّا مساحة أكبر من الحرية المسؤولة، خصوصًا وأنت الآن في العشرين من عمرك، على أن يكون هذا الطلب بأدب واحترام، ومدعومًا بسلوك مسؤول من جانبك يثبت لهما أنك تستحقين هذه الثقة.

تاسعًا: لا تنسي أن الدعاء والاستعانة بالله هما سلاحك الأول في مواجهة هذه التحديات، يقول الله تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)؛ لذا ادعي الله تعالى أن يشرح صدر والدتك لفهمك، وأن يمنحك القدرة على التعبير عن مشاعرك، وأن ييسر لك الزواج الصالح عندما تكونين مستعدة نفسيًّا له.

عاشرًا: قد يكون من المفيد أن تستشيري أخصائية نفسية أو اجتماعية تساعدك على تطوير مهارات التواصل وإدارة المشاعر؛ هذا ليس عيبًا ولا ضعفًا، بل هو من الحكمة أن يطلب الإنسان المساعدة المتخصصة عندما يحتاجها.

الحادي عشر: أختي الكريمة، إن اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء، والتوكل عليه ومناجاته أمر لا بد منه في مثل هذه الأحوال. اطلبي منه أن يصلح العلاقة بينك وبين والدتك، وأن يرزقك الحكمة في التعامل معها، وأن ييسر لك الزواج الصالح في الوقت المناسب.

الثاني عشر: تذكري أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، فإذا كانت نيتك من تأجيل الزواج هي الاستعداد الأمثل له وليس الهروب منه، فأنت على خير إن شاء الله.

أخيراً: سنطرح عليك فكرة لعلها تقابل بالتفهم من جانبك، ألا وهي: ما رأيك أن تضعي نفسك مكان والدتك، الأم حريصة جداً على أبنائها وبناتها، وتخاف عليهم، بل أكثر وقتها مشغول بهم، كيف يدرسون كيف يأكلون، وكيف سيكون مستقبلهم، إن كنت مشغولة بنفسك، وإخوتك مشغولون بأنفسهم، فهي مشغولة بكم جميعاً.

قولي لنفسك: والدتي تريد الخير لي، والخير لك أن تكوني في بيت الزوجية، فبعد سنين طويلة ستجدين أن الخير في تكوين عائلة، غيري مفاهيمك عن الزواج والأسرة، فهما الأصل وليس الدراسة، لو خيرت بينهما فننصحك بتقديم الزواج؛ لأنه الفطرة التي خلق الله الناس عليها، العزوبية مؤقتة، أما الزواج فهو الاستمرارية وهو الأصل، ولذلك منّ الله على عباده بهذا المعنى (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة).

انظري لنفسك بعد عشرين سنة من الآن وقد بلغت الأربعين، لن تتمني أن تكوني وحدك، قد تقولين لنفسك: قد يتغير تفكيري بعد سنين، وحينها ما أدراك أن الخاطب سيطرق بابكم؟ فعجلي بانتهاز فرصتك، وخاطبي نفسك خطاب العقلاء، فالفرص قد لا تتكرر، وحاوري والدتك في الموضوع، وحاولي تغيير نظرتك نحوها، وحاولي أن تفهميها أنت، لا تطالبيها بأن تفهمك وأنت لا تحاولين ذلك.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يصلح العلاقة بينك وبين والدتك، وأن يرزقك الزوج الصالح في الوقت المناسب، وأن يجعلك قرة عين لوالديك في الدنيا والآخرة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً