الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

متردد بين بقائي في الغرب وحدي والمجيء بعائلتي!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبلغ من العمر 28 عامًا، كنتُ مهندسًا في مصر، لكن بسبب سوء الحال الاقتصادي سافرتُ إلى إيطاليا لأعمل فنّيًّا كهربائيًّا، وقد مضى على ذلك سنتان، وعدتُ خلالهما إلى بلدي مرةً واحدة لظروف الأوراق.

لم أتخيّل أن أحضر زوجتي وابني إلى هنا، خوفًا عليهما من فساد أوروبا، وخوفًا على دين ابني، فمهما حاول من حولي إقناعي، أرى في ذلك خطرًا على دينه ومستقبله، وأفتقد زوجتي كثيرًا، ممَّا يدفعني أحيانًا إلى الوقوع في معصية العادة السرية، حتى أصبحتُ أشعر بسببها بكراهية نفسي.

خلال زيارتي لمصر حاولتُ أن أجد حلًّا أو عملًا بدخلٍ مناسب يغطي احتياجاتي المادية، لكنني لم أوفَّق، نظرًا لظروف البلد ومسؤولياتي؛ إذ لديَّ عائلةٌ أعولها، فأنا ابنهم الوحيد، إضافةً إلى أسرتي، وزوجتي تكره سفري، وترغب في اجتماعنا، سواء بعودتي أنا أو بانتقالهم إليَّ.

لا أدري ماذا أفعل! فأرشدوني؛ فالأهم عندي ألّا أخسر آخرتي، وأن أحفظ دين ابني، فهذا أولى أولوياتي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابننا الفاضل- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام بأمر دينك، ونشكر لك القيام بواجباتك الأسرية، ونشكر لك هذا الحرص الذي دفعك للتواصل مع موقعك، ونسأل الله أن يُقدِّر لك الخير ثم يرضيك به.

حقيقة كنا بحاجة لمعرفة سِنّ هذا الابن الذي تتكلم عنه، وأعتقد أنه في سن صغيرة؛ وعليه فنحن نقترح عليك أن تكون الزوجة معك، وأن تعيشوا هناك، وتجتهدوا في أن تقصروا مدة البقاء في تلك الديار، لتعودوا بعد ذلك إلى بلدكم؛ فإن الأصل في الزوجة أن تكون مع زوجها، ليحصِّن نفسه ويحصِّن زوجته، وليعينها ويعين ابنه على الخير.

رغم خوفنا من بلاد الغرب إلَّا أن هناك من يمسك على دينه كالقابض على الجمر، والإنسان في بلاد الغرب سيجد مراكز إسلامية، وسيجد من يُعينه على الخير، مع وجود كثير من الشر، أمَّا عندما يصل الابن إلى مرحلة التعليم والدخول للمدارس؛ فهنا قد يكبر الخطر عند ذلك، ونتمنى ألَّا تطيلوا المكث كما أشرنا.

عليه نحن نميل إلى تلبية رغبة الزوجة بأن يكونوا معك، وأعتقد أنك بحاجة إلى أن تشاور الفضلاء الذين يبدو أنهم يشجعون مجيء الأسرة معك، ولا شك أن هناك أُسراً فاضلة، ثبتت على دينها رغم وجود هذه الشرور، والإنسان ضعيف بنفسه قوي بعد الله، بمناصرة إخوانه من أهل الخير والحرص على الدِّين.

عليه نحن نميل إلى أن تكون الأسرة معك إذا كان لا يتيسر أن تكون معهم، وتقوم بالواجبات الأسرية، ونبيِّن لك أن الزوجة تأتي برزقها والأبناء يأتون برزقهم، وأن طعام الاثنين يكفي الأربعة كما ورد في الحديث الشريف: «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ»، ولذلك نحن نميل إلى هذا الخيار؛ خيار أن تكون الزوجة وهذا الطفل معك ولو إلى حين، وبعدها أنتم تجتهدون في أن ترتبوا أوضاعكم لتعودوا بعد ذلك إلى بلدكم الأصلي، الذي يسمع فيه الأذان ويسمع فيه الخير.

والفترة التي تمكثها هناك مع زوجتك تجتهدون على هذا الابن في تعلُّم أمور دينه، وترتبطون بالمراكز الإسلامية أو الجهات التي يمكن أن تُعينكم على الثبات على الدِّين، وهناك أيضًا مجموعات يحسن التواصل معها، عبر الزيارات والتعارف والتآلف، والنجاح في المراكز التي تقيم برامج لتعليم القرآن وتربية الأبناء، وإعانة الجميع على طاعة الله تبارك وتعالى.

وفي هذا -كما قلنا- حفظ للدين وحفظ لنفسك وعفاف لك ولأهلك، وتحقيق أيضًا للهدف من الحياة الزوجية؛ لأننا نشجع من يذهب هناك أن يأخذ معه زوجةً تعفُّه ويعفُّها، وتُعين على صعوبات الحياة المنفلتة هناك، تجتهدون وتتعاونون في حُسن تربية الابن على ثوابت هذا الدين، ونسأل الله أن يُقدِّر لك الخير، وأن يوسع لك في الرزق.

أمَّا حين يصبح الأبناء كبارًا، والدين في خطر؛ فعند ذلك الإنسان يختار دينه، وعليك أن تدرك أن بيئات بلادنا فيها مئات الملايين، ورغم هذه الظروف الصعبة إلَّا أنهم -ولله الحمد- يأكلون ويشربون ويسعدون ويفرحون، فالإنسان ينال السعادة بطاعته لله تبارك وتعالى، وإن صعبت ظروف الحياة فإن الإنسان عنده قدرة على التكيف والتأقلم، ونسأل الله أن يملأ نفوسنا بالقناعة والرضا، فقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي بَدَنِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا»، وأحسن من قال:

هِيَ القَنَاعَةُ فَـالْـزَمْـهَا تَعِشْ بِهَا مَلِكًـا *** لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ مِنْهَا إِلَّا رَاحَةُ البَدَنِ
انْظُرْ لِمَنْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا *** هَلْ رَاحَ مِنْهَا بِغَيْرِ القُطْنِ وَالكَفَنِ

نسأل الله أن يعينك على الخير الذي تقوم به، وإعفاف الأسرة بكونهم معك، والقيام بواجباتك تجاه الأسرة الكبيرة، ونسأل الله أن يوسع لك في الرزق وأن يلهمك السداد والرشاد، ونوصيك بكثرة السجود والاستغفار والاستقامة على دين الله تبارك وتعالى، والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، فإن هذه مفاتيح للأرزاق والخيرات، ونسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً