الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعلق قلبي به، وأدعو الله أن يجعله زوجاً لي

السؤال

قابلتُ طبيباً مقيماً في مناوبتي، وكنتُ قد نزلْتُ للعمل رغماً عني، ومن دون إسهاب في الكلام، لمحتُ منه نظرة إعجاب، تكررت نحو ثلاث مرات، فتعلقتُ به جداً، رغم أن هذه ليست عادتي، وفكرتُ فيه كثيراً.

ما جعلني أشعر بذلك هو أنني اضطررتُ للنزول في ذلك اليوم، بعدما كنتُ أحاول إرسال شخص آخر بدلاً مني؛ ولأن تخصصه هو ذات تخصص خطيبي السابق الذي تركته؛ ولأني بذلتُ وسعي كي لا أتدرب في هذا القسم المعروف بشدته، ومع ذلك جاء التوزيع بوضعي فيه، كما قالت لي والدتي يومها: "لعل الله قد كتب لكِ الخير فيه"، وطوال طريقي في ذلك اليوم كنتُ أدعو وأحوقل وأردد الأذكار.

مرَّ على هذا أكثر من شهر، وأنا أدعو به يومياً، وفي ليالي العشر الأواخر، لم ألتقِ به مرة ثانية، رغم وجود نوبة عمل مشتركة بيننا؛ لكني خفتُ أن يظهر عليَّ شدة إعجابي به، فاستخرتُ الله وأرسلتُ شخصاً مكاني، وبعثتُ له برسالة أخبره فيها أن فلاناً سيحل محلي، وأظهرتُ صورتي على "واتساب" بحجابي الكامل، فردَّ بأن الأمر ليس مشكلة، فأخفيتُ صورتي مرة أخرى بعد انتهاء النوبة.

بعد ذلك، وأثناء فترة تدريبي في القسم طوال الشهر، لم أتعامل معه ولا هو تعامل معي، لكني كنتُ أراه أحياناً بشكل عابر، أو يدخل الغرفة التي أجلس فيها فيلقي السلام وأرد عليه فقط، وأحياناً كنتُ أدخل الغرفة ولا أنتبه للسلام أصلاً، وقد خانتني عيناي فنظرتُ إليه مرة، ورآني فأدرتُ وجهي وأنا في حالة ارتباك شديد.

انتهت فترة تدريبي في سنة الامتياز كاملة، ولم ينتهِ تفكيري وتعلقي به، وهذا الأمر يؤلمني يومياً.

أدعو الله به حتى كدتُ أجن، وأدعو الله أن يرزقني به، ويجعلني قرة عينه في الدنيا والآخرة، ويرزقنا الذرية الصالحة التي تقرُّ أعيننا بها.

سؤالي هو: هل أكمل في هذا الدعاء؟ فقلبي يتمزق لأني أدعو، ولا أجد منه بادرة كالسؤال عن رقم أبي مثلاً، وأخشى أن يتأثر يقيني، أم أدعو بالخير فقط، وأن يرضيني الله به؟ وأخشى أن ينطبق عليَّ حديث رسول الله ﷺ: "يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل"، فأكون قد تركتُ دعائي الأول لأنه لم يُستجب حتى الآن، وما حكم ذهابي لهذا المستشفى، من فرط شوقي إليه للتدريب في هذا القسم بصورة تطوعية؟

أطلب منكم أن تدعو الله لي بتفريج كربي وتحقيق سؤلي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فرحة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يُقدِّر لكِ الخير حيث كان ويرضيكِ به، وأن يرزقكِ الزوج الصالح الذي تقر به عينك وتسكن إليه نفسك.

لقد قرأتُ سؤالكِ وأنا أتفهم الحالة التي تمرين بها، ولكن النصيحة -أيتها البنت الكريمة- أن تقطعي عن نفسك هذا التعلُّق بهذا الشخص، أنا أدرك أن هذا قد يكون شيئًا صعبًا ومرًّا، ولكن الحقيقة أن مرارته في هذه المرحلة محتملة وسهلة، ويحتاج منكِ إلى قليل من الصبر، وكما يقول الشاعر:
الصبر مثل اسمه مر مذاقته .. لكن عواقبه أحلى من العسل

أقول لكِ هذا الكلام؛ لأن تعلقكِ بهذا الشخص قد يكون تعلقًا مؤذيًا لكِ، فإنه تعلق من جانب واحد فيما يبدو، وتعلق القلب بالشخص وحبه وعشقه هو في الحقيقة مرض من الأمراض، وقد يؤدي إلى عناء كبير ومشقة عظيمة.

إن الخير كل الخير في أن تجاهدي نفسك في هذه المرحلة، لقطع هذا التعلق بهذا الإنسان؛ فطبيعة النفس البشرية أنها إذا يئست من الشيء ستنساه، ويسهل عليها نسيانه، وهذا يحتاج منكِ إلى حوار عقلي هادئ مع نفسك، بأن تُذكِّريها بأن هذا التعلُّق من جانبكِ أنتِ، وأن الآخر ربما لا يفكر أصلًا بالزواج بكِ، أو أنه قد تعلق بكِ أو نحو ذلك، فما فائدة العناء والتعب الذي تحمله نفسك في سبيل أمنية ربما لا تتحقق؟

لهذا أنتِ مطالبة -إن كنتِ تريدين إراحة نفسك- بأن تتخذي الأسباب التي تعينكِ على نسيان هذا الإنسان، وليس مستحيلًا على الله سبحانه وتعالى أن يجعله من حظكِ ونصيبكِ، ولكن تعليق قلبكِ به -مع أنه من المحتمل ألَّا يكون الله تعالى قد قدر لكِ الزواج به- فيه مشقة كبيرة عليكِ وعناء شديد، فالخير كل الخير في أن تقطعي أسباب التعلق من الآن، ولهذا نحن ننصحكِ بنصيحتين عمليتين:

النصيحة الأولى: أنه إن كان بالإمكان عرض موضوع الزواج ومصارحة هذا الشخص به، عن طريق أحد محارمك، أو من ترينه ينفع لأداء هذه المهمة، فهذا أمر مشروع وجائز، وهو في الحقيقة مختصر للطريق، ويؤدي إلى المطلوب، من حيث الإقدام على إتمام باقي الخطوات، أو الانقطاع عنها بالكلية، هذا إذا كان الخيار متاحاً ولا يسبب إحراجاً لك.

الوصية الثانية: أن تلجئي إلى الله -سبحانه وتعالى- في أن يختار لكِ الخير ويقدره لكِ حيث كان، وألَّا تخصي في دعائكِ الزواج بهذا الشخص بعينه؛ فإنكِ لا تدرين هل هو الخير أم لا، والله تعالى قد أدبنا في القرآن فقال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

فأنا أنصحكِ بأن تكثري من دعاء الله تعالى أن يرزقكِ الزواج الصالح، دون أن تعلّقي نفسكِ بهذا الشخص بخصوصه، وبالاستمرار على هذا الإجراء والاستمرار في المشي في هذا الطريق، ستجدين نفسكِ -بإذن الله تعالى- قد ابتعدتِ عن هذا الشخص ونسيته تدريجيًا، حتى تتخلصي من هذا التعلق، وبهذا تعرفين أنه من الخير لكِ ألَّا تذهبي إلى هذا المستشفى لمجرد ملاقاة هذا الرجل أو رؤيته.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يُقدِّر لكِ الخير حيث كان ويرزقكِ الزوج الصالح.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً