الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا أريد أن يحزن أبناء أخي الغائب..فكيف أوفق بينهم وبين حقوق زوجتي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا متزوج منذ سنة، وأعيش في منزل عائلي مع أخي فقط، وقد سافر للعمل قبل زواجي ببضعة أشهر، وله أربعة أولاد.

بعد عودتي من العمل أولاد أخي يأتون إليّ يوميًا، وهم من يستقبلونني بعد رجوعي، ويلعبون معي، ويشاهدون التلفاز، وليس زوجتي، وقد تضايقت زوجتي من هذا الوضع وتقول إنه يجب أن يكون لها خصوصية في بيتها أو شقتها، وأن يزورنا الأولاد مرة أو مرتين فقط في الأسبوع.

وقد بدأت بالفعل أقلل من دخولهم إلى شقتي، وإذا دخلوا لا يمكثون أكثر من ساعة، لكنني لا أستطيع أن أمنعهم تمامًا لأنهم أولاد أخي، ولا أريد أن يحزنوا مني بسبب غياب والدهم، كما أنني لا أريد أن يحزن مني أخي.

ومع ذلك أراعي أن لزوجتي حقًا عليّ، فهي إنسانة صبورة تحملت معي الكثير، وهي الآن في فترة حمل في شهورها الأولى، ولا أنسى فضلها عليّ.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك لك في بيتك، وأن يرزقك الحكمة في الجمع بين حقوق زوجتك وبر أولاد أخيك، وأن يجعل ما تقوم به خالصًا لوجهه، وأن يؤلف بين القلوب ويصرف عنكم أسباب النزاع، ودعنا نجيبك أخي من خلال ما يلي:

1- إحسانك إلى أولاد أخيك باب عظيم من الأجر، خاصة مع غياب أبيهم، وقد قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}، وقال النبي ﷺ: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ»، وهذا يدل على عظم الأجر في رعايتهم والرفق بهم، سيما وأنت تحل محل الأب في الرعاية والعناية.

2- لكن في المقابل، زوجتك لها حق لازم، وقد أمر الله بحسن العشرة فقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ومن المعروف أن البيت هو المكان الذي تشعر فيه الزوجة بالراحة والخصوصية وتتخفف من ثقل الحمل عليها، ووجود أربعة من الأطفال في شقتها قد يكون فوق قدرتها، والله قال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

وعليه فما تشعر به زوجتك من ضيق ليس تقصيرًا منها، بل هو طلب لحقها الطبيعي، خاصة بعد صبرها، ومن الوفاء أن تقابل صبرها بمزيد عناية، فلا يخفاك أن اجتماع الأطفال يوميًّا داخل الشقة يفقد عند المرأة خصوصيتها، ويؤثر بلا شك على نفسيتها، لذا فمراعاة حالها من تمام الخير، والشريعة قائمة على العدل، ووضع كل حق في موضعه، فلا يقدم حق على حق حتى يظلم الآخر، بل يجمع بينهما قدر المستطاع، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.

3- محبتك للأطفال لا تعني أن يكون وجودهم بلا تنظيم، بل الرحمة الحقيقية أن تراعي جميع الأطراف، وفق قاعدة شرعية: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».

4- الحل الشرعي المتوازن هو تنظيم الزيارات، لا قطعها ولا تركها مفتوحة، فيكون حضورهم بالتنسيق معها في أيام محددة، وفي أوقات محددة، ولمدة مناسبة، وبذلك يتحقق القرب دون ضرر، ويمكنك أن تعوضهم خارج الشقة بالخروج معهم للنزهة، واللعب خارج المنزل، وتخصيص وقت خاص لهم؛ فهذا يجمع بين الإحسان إليهم وحفظ بيتك.

5- جزاك الله خيرًا على مراعاتك لهم، لكن لا تخف من حزنهم ما دمت قائمًا بحقهم؛ فإن التربية على النظام أصلح لهم، والتعلق غير المنضبط قد يضرهم أكثر مما ينفعهم.

6- اجلس مع الأطفال بلطف، وبين لهم أن هذا التنظيم لأجل أن يكون الوقت أجمل وأفضل، وليس منعًا لهم.

7- من المهم جدًّا أن تشعر زوجتك أنك تقدرها وتفهمها، وتذكر أن النبي ﷺ كان يراعي حال أزواجه، ويدخل السرور عليهن؛ لذا عليك أن تخبرها بكلام يطمئنها، ويظهر لها تفهمك لحالها ووقوفك بجانبها.

8- اجعل لك خطوات عملية للتغيير من خلال: تحديد أيام ثابتة لزيارة الأطفال، وتحديد وقت لا تتجاوزه، وتخصيص وقت يومي أو أسبوعي لزوجتك فقط، وإشراك زوجتك في وضع هذا النظام، والالتزام بما تم الاتفاق عليه، وتذكر أن البيت إذا لم تحفظ حدوده اضطرب، وإذا ضبطت حدوده استقر وهدأ، وهذا من الحكمة التي يؤتيها الله من يشاء.

9- لا تجعل العاطفة وحدها تقودك، بل اجعلها منضبطة بالشرع، فالعاطفة إذا لم تهذب أوقعت في الظلم من حيث لا نشعر، فاستعن بالله في إصلاح هذا الأمر، وأكثر من الدعاء؛ فإن القلوب بيده، وتذكر أن العدل بين الحقوق من أعظم القربات، وأن من سعى فيه بصدق أعانه الله وبارك له في بيته.

وفي الختام: نسأل الله أن يبارك لك في زوجتك، وأن يتم حملها على خير، وأن يرزقك حسن التدبير، ويجعل بيتك قائمًا على السكينة والمودة، وأن يجمع لك بين الأجر في إحسانك لأبناء أخيك، والبر في رعايتك لزوجتك، والله ولي التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً