الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تزوج أبي وسكن في الشقة التي أعددتها لنفسي، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم.

جزاكم الله خيراً على ما تقدمونه، وهي دعوة من القلب.
سأعرض عليكم المشكلة مباشرة: قبل أسبوعين، طلب والدي من والدتي أمراً محرماً بين الزوجين، ولما رفضت والدتي قام بضربها وإهانتها، فأيقظتني أمي من نومي مفزوعًا تشكو إليَّ ما حدث.

للأسف، والدي يتصف بصفات غير محمودة ولا يخشى الله في تعامله، ومنذ ذلك اليوم، وأنا أشعر بغضب شديد وحقد تجاهه؛ لأن الأمر لا يقتصر على هذه المشكلة فحسب، بل هناك قصص كثيرة، والله يشهد -وأسأله ألا أكون ظالماً لوالدي- أن المعاناة مستمرة.

حالياً، تزوج والدي بزوجة ثانية رغم أن موعد زواجي بعد أشهر قليلة، وقام بإسكانها في الشقة التي كان من المفترض أن أسكن فيها مع زوجتي.

يعلم الله أنني أسعى بحسن النية، فمنذ تخرجي في الثانوية وأنا أعمل وأسلم راتبي كاملاً لوالدي بناءً على طلبه للمساعدة في مصاريف البيت، ولم أدخر لنفسي شيئاً، مما أدى لتأخري في الزواج، إن في قلبي الكثير تجاه والدي، وكلما هممتُ بتصرف متهور، أراجع موقعكم فأهدأ.

حالياً، أمامي خياران: إما السفر بعيداً للعمل وتجهيز نفسي للزواج، وبذلك أترك أمي وأخواتي وأخي الصغير، أو البقاء والانتظار بحثاً عن عمل في مدينتي.

أنا أعلم أن أهلي بحاجة إليَّ، ومتردد كثيراً في تركهم، خاصة والدتي، فما هو القرار الصحيح؟ وسؤالي الأخير: أبٌ بمثل هذه الصفات، ما حكمه؟ أخاف أن أرتكب ذنباً عظيماً تجاهه بسبب ما في قلبي نحوه.

جزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبادي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابننا الفاضل- في الموقع، ونشكر لك الثناء على الموقع والدعاء، ونحن نبادلك المشاعر، ونسأل الله أن يهيئ لك من أمرك رشدًا، وأن يهدي الوالد لأحسن الأخلاق والأعمال، وأن يصبر الوالدة ويصبركم على هذه الصعوبات، ونبشركم بأن الثواب عظيم.

فإذا لم تصبر الزوجة على زوجها فعلامَ يكون الصبر؟ وإذا لم يصبر الولد على والده فعلامَ يكون الصبر؟ فنحن نبشرك بالثواب العظيم من الله تبارك وتعالى، ونحب أن نؤكد لك أن الشرع الذي يأمرك بالإحسان للوالدة والمبالغة في إكرامها -فحقها مضاعف-، هو الشرع الذي يأمرك بالإحسان للوالد.

ولذلك، أرجو أن تؤدي ما عليك، ولَمَّا أقول "تؤدي ما عليك" أي وفق استطاعتك؛ ولذلك من الآيات العظيمة، بعد أن تحدث العظيم عن البر وقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]، قال في ختامها: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} [الإسراء: 25]، من البر، والرغبة في الخير، وحب الخير للوالدين، {إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25].

قال العلماء: في الآية عزاء لمن يقوم بما عليه، ومع ذلك يجد صعوبات، ومع ذلك لا يرضى الوالد أو لا ترضى الوالدة؛ فلذلك أول ما نوصيك به هو أولًا السعي في الإصلاح، فإذا كنت مع الوالدة فطيب خاطرها، وصبِّرها، وأحسن إليها، وبالغ في إكرامها، وإذا كنت مع الوالد فأدِّ ما عليك، وشجعه على أن يقوم بواجبه تجاه أسرته، تجاه أبنائه، تجاه إخوانه، وكن عونًا له.

هذا المعنى من المعاني المهمة، ولذلك الإمام مالك لَمَّا سأله رجل قال: "أبي يأمرني وأمي تنهاني"، كل واحد يُعطي أوامر عكس الآخر، قال: «أطع أباك ولا تعصِ أمك»، فالمداراة مطلوبة، تداري هذا الوالد، وتحسن إليه، وتصبر عليه.

ومع ذلك لا يعني أنك تُضيّع نفسك، تعطيه ما تستطيع أن تعطيه؛ ولذلك نحن نميل إلى خيار أن تعمل في المدينة، لتجمع بين الحسنيين: بين الفرصة التي تستطيع فيها أن تُوفِّر أموالًا لنفسك، وتُعطي الوالد ما تستطيع أن تقدم، وتكون في نفس الوقت قريبًا من الوالدة وإخوانك الصغار.

هذا الخيار الذي تعمل فيه في مكان قريب من بيتك، هو الأنسب، بحيث تستطيع أن تشرف على الوالدة، وتكون بجوار إخوانك الصغار، وأيضًا هذا الأب تكون معه، ولكن هذا لا يعني أنك تُعطيه كل ما عندك وتجلس بلا أموال، ولكن تعطيه حسب احتياجه، وتعده الوعد الجميل: "أبشر يا أبي، إن شاء الله، كذا"، وتحاول أيضًا أن تعمل لنفسك أيضًا، خاصة إذا كان الوالد غير محتاج، فأنت تُعطيه شيئًا يرضيه، وتعده الوعد الجميل، لا تقل: "لن أعطيك، ما عندي"، بل قل: "أبشر يا والدي، إن شاء الله، كذا"، ولا تُقصِّر؛ لأن هذا أيضًا من البر الذي تؤجر عليه.

واجتهد في إكرام الوالدة، وكن إلى جوارها، وكن في حمايتها، هذا كله من المطالب الشرعية المهمة، أمَّا السفر بعيدًا وتركهم هكذا، فهذا لا يمكن أن يقبل من ناحية شرعية، ولا أظنك تميل إلى هذا؛ لأنك ستترك الوالدة وإخوانك الصغار في مكان قد يأتيهم فيه الأذى من أقرب الناس إليهم، فوجودك مهم، وفي نفس الوقت الموازنة بين حق الأم، وحق الأب، وبين حق النفس أيضًا، هذه من الأشياء المهمة.

وأنت على كل حال مأجور على كل ما قمت به وما ستقوم به، ونسأل الله أن يُعينكم على الخير، واحرص دائمًا على أن تكون ناصحًا للوالد، وإذا كان هناك أعمام أو مشايخ مؤثرون يمكن أن ينصحوه ويقبل نصحهم، فأرجو أن يساعدوك في الإصلاح، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

ونحن سعداء بهذه الاستشارة التي تدل على تحمل المسؤولية، وحرص على المصلحة، وشفقة على الوالدة، وكل هذا يدل على تميزك، فنكرر الترحيب بك في الموقع، ونسأل الله لنا ولك التوفيق والثبات.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً