الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وقع الطلاق بيني وبين زوجي بسبب السحر، فماذا أفعل لأرجع إليه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منذ زواجي تبدّل حالي، فأصبحت أتعامل مع زوجي بنفور، ولا يرضيني شيء، وعند الابتعاد عنه وترك المنزل أشتاق للحديث معه، ومع مرور الوقت لم أعد أتحمل قربه، وإذا قرأ القرآن عليّ ووضع يده على رأسي أشعر بضغط شديد وصداع، فأطلب منه الابتعاد.

أصبح جلّ اهتمامي بأولادي وعملي فقط، وكانت كلمة الطلاق على لساني دائمًا، وعندما كان يهمّ بتنفيذها أبكي وأخبره أنني لا أستطيع الابتعاد عنه، واستمر هذا الحال سبع سنوات!

في الفترة الأخيرة ازداد نفوري، وتغيرت صورة زوجي في عيني، وأصبحت رائحته غير مستساغة لدي، وابتعدت عن الصلاة، وتركت قراءة القرآن، وصرت شديدة العصبية حتى مع أولادي، وكنت أبكي عند مفارقتهم، وأتعامل كأنني امرأة مطلقة، وأصبح زوجي غريبًا عني تمامًا.

كان لي شريك في العمل خارج البلاد، وبدأنا نتبادل أطراف الحديث، ومع الأسف حدثت بيننا تجاوزات إلكترونية، رغم أنني لم أره قط، ولا أعلم كيف انجرفتُ إلى ذلك، ثم هداني الله، وشعرت بنداء داخلي يدعوني إلى قراءة سورة البقرة، والمحافظة على الأذكار، والعودة إلى الله، والابتعاد عن ذلك الطريق، وبالفعل أنهيت تلك العلاقة تمامًا.

وكانت لي صديقة تعرف امرأة تدّعي القدرة على فك السحر، فأردت أن أثبت لصديقتي أنها مخادعة، فتواصلت معها مدعية أنني أريد الانفصال عن زوجي والارتباط بآخر، وذكرت لها اسم زوجي واسم ذلك الشخص، مع أن نيتي كانت كشف زيفها، لا أكثر.

اطّلع زوجي على هذه المحادثة، فلم يصدقني، وربط بينها وبين خطئي السابق، مع أنه لا علاقة بين الأمرين، والله يشهد على ذلك.

وقبل أن يطلقني، قام برقيتي رقية شرعية، فكنت أتقيأ مادة بيضاء مخاطية بكميات، ولم أكن أتحمل سماع سورة الصافات، وظهرت في جسدي خدوش وكدمات، ومع الاستمرار في قراءة القرآن بدأت هذه الأعراض تختفي.

للأسف، لم يقتنع زوجي بأنني لم أكن في حالتي الطبيعية، وأن قراءة القرآن والأذكار كانت سببًا في عودتي، وقد طلقني، وأولادي صغار.

أنا أرجوه أن يسامحني، وأن نعود معًا، وما زلت في فترة العدة، وقد أخبرته أنني سأعرض مشكلتي عليكم ليطّلع على رأيكم، وأشهد الله أنني تبت، ولا أريد سوى زوجي، وأسأل الله أن يجمع بيننا على خير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يصلح ما فسد من العلاقة بينكِ وبين زوجكِ، وأن يلهمكما الرشد والصواب، وأن يرقق قلب زوجكِ للتراجع عما اتخذه من قرار.

ونصيحتنا لكِ أولًا: أن تلجئي إلى الله تعالى بصدق واضطرار، وتسأليه -سبحانه وتعالى- أن يصلح لكِ من أحوالكِ ما فسد؛ فإن «قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ»، فالجئي إلى الله لجوء صدق واضطرار، وأكثري من دعائه، ومع هذا الدعاء ينبغي أن تأخذي بالأسباب، وهذا الذي فعلته الآن من توجيه السؤال إلى موقعنا واحد من هذه الأسباب، نرجو الله تعالى أن يكتب بها النفع، وأن يجعلها سببًا في الخير.

ومع هذا ننصحكِ أيضًا بالاستعانة بمن يمكن الاستعانة بهم من أهل الخير والإصلاح الذين لهم كلمة مقبولة عند زوجكِ، وممَّن يحسن أن تخبريهم بما جرى، حتى يحاولوا التقريب بين القلوب، ونقصد بذلك الأقارب كوالدتكِ، ونحو ذلك ممَّن يمكن إفشاء الكلام إليهم دون مَضرَّة أو فساد، ونحن بدورنا نقول ما عندنا من الكلام الذي نرجو أن يصل إلى زوجكِ من خلالكِ، فنذكِّر هذا الزوج أولًا، ثم نعود إلى تذكيركِ أنتِ ثانية.

فنقول لهذا الزوج: إن الله تعالى قدَّر على هذا الإنسان أن يكون إنسانًا خطاءً، يُذنب ثم يتوب، فقد قال النبي ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، والرسول ﷺ قال: «إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ مُفَتَّنًا، تَوَّابًا، نَسِيًّا»، وقد قال ﷺ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ».

فكل هذه الأحاديث تُبيِّن لنا حقيقة هذا الإنسان، وأنه قد يمر بلحظات الضعف يقع فيها في زلَّة أو هفوة، أحيانًا تكون محسوبة العواقب، وأحيانًا أخرى تكون على غِرَّة من غير نظر إلى نهاياتها ومآلاتها، فإذا وقع الإنسان في هذه العَثْرة وعُلم من قرائن الأحوال أنه يريد إصلاح حاله، وأنه راجع عمَّا كان قد وقع فيه؛ فإنه ينبغي للمسلمين ممَّن حوله أن يُعينوه على هذا الرجوع، وأن يُسامحوه فيما وقع فيه من هِنة وخطأ، فقد قال الرسول الكريم ﷺ في الحديث الصحيح: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا عَثْرَتَهُ، أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وهذا ثواب عظيم، وأجر كبير، أعدَّه الله تعالى لمن قام بهذا العمل، وهو التجاوز، والصفح، والمسامحة للإنسان المسلم الذي وقع في عثرة، وأخطأ، ووقع في زلة.

فإذا كانت هذه الزوجة قد وقعت في هذا الخطأ من حيث إجراء هذه المحادثة التي لا حقيقة لها، وهي تحلف على ذلك، والأصل أن الإنسان المسلم مُصدَّق، فإذا حلف يمينًا فينبغي أن يُصدَّق أيضًا في يمينه، فإذا كان الأمر كذلك، فينبغي لك -أيها الزوج- أن تقيل عثرتها حفاظًا على مصلحة أولادك الصغار، ورحمة بها أيضًا، لا سيما وهي مُتعلِّقة بك، ترجوك، وقلبها مُعلَّقٌ بك مملوءٌ بحبك، وإعطاؤها فرصة لن يَضرك، مع تقديم ضمانات منها بأن يكون حالها كله تحت المراقبة، بأن لا تمتنع عن اطلاعك على شيء من وسائل اتصالها بالآخرين، وأن تكون واضحة تُبعد عن نفسها كل شبهة أو ريبة في المستقبل.

فإذا حصل هذا فإننا ننصحك بأن تُراجع الأمر، وتنظر في مصلحة أبنائك وبناتك، ورحمةً بهذه المسلمة التي قضت معك عمرًا، وهي أولى الناس بأن تعذرها وتسامحها إذا وقعت في زلة أو هفوة، وما حصل معها من تواصل مع ذلك الرجل فينبغي أن تُصدِّقها أن ذلك كان تحت تأثير ما كانت فيه، هذا لن يضرك، بل سينفعك عند الله -تعالى- بتحصيل الأجر والثواب، وسينفعك في لم شمل أسرتك والحفاظ على أولادك، فإذا ظهر منها شيء آخر تكون قد أعذرت إلى الله تعالى وأقلت عثرتها في المرة الأولى.

نكرر -أيها الحبيب- أن هذا لن يضرك بإذن الله، بل سيجلب لك خير الدنيا والآخرة.

ونعود إليكِ أنتِ -أختي- فنقول: ينبغي أن تتعلمي من هذا درسًا، وتدركي حقوق زوجكِ عليكِ، وينبغي أن تثبتي له حسن نيتكِ بما ذكرناه؛ من كون الأمور واضحة في المستقبل تحت نظره، لا يخفى عليه شيء من أمركِ.

نرجو الله تعالى أن يصلح الحال بينكما، ويديم الألفة والمودة، ويقدر لكما الخير حيث كان.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً