الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أبني علاقة قوية مع طالباتي وأحافظ على هيبتي دون أن أفقد قلوبهن؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

انضممتُ بتاريخ العشرين من فبراير لأكاديمية تحفيظ، كمشرفة -ولله الحمد- كان ذلك بعد اجتيازي للاختبار، وأحاول جاهدة أن أشجعهنَّ، ولديَّ عشر طالبات، ولكنني في كثير من الأحيان أشعر أنني أخطأت مع إحداهنَّ في طريقة التشجيع مثلًا، وأخشى كثيرًا أن أتعدى الحدود إلى درجة أفقد معها احترامهنَّ لي، أنا لم أخبرهنَّ بعمري ولا عن مدينتي التي أسكن فيها، ولا يعرفنَ سوى اسمي تقريبًا، وأخاف أن يستصغرنَ قدري، لأن أغلبهنَّ متزوجات، فهل فِعْلِي وتفكيري هذا صحيح؟

أريد أن أكون قريبة من كل واحدة منهنَّ من غير إزعاج؛ لأكون مصدر تشجيع قوي، نظرًا لقوة العلاقة، فلا أريدها علاقة رسمية جافة، وفي كثير من الأحيان أشعر أنني قصَّرت بسبب بعض ظروفي النفسية أو ظروف أخرى.

أشعر أحيانًا أنني لا أصبر عندما تُهمل الطالبة كثيرًا، أو تؤجل بسبب دراستها، مع أنني أخفف المقدار لضمان الاستمرار، ولكن ذلك لا يجدي نفعًا أحيانًا، وأريد أن أحببهنَّ في الحفظ وصنع مسابقات، ولكن لا أعرف متى وكيف، فلكل واحدة مِنَّا ظروفها.

لديَّ طالبة في كرب شديد بسبب زوجها، وحاولت التخفيف عنها، ولكن أشعر أنها لا تتحسَّن، فهي مكروبة جدًّا، حتى بدأتُ أشعر أنني أحمل همّهنَّ فوق همِّي!

أخاف أن يكرهنني في يوم من الأيام، أو أن أقول شيئاً لا يجب قوله فينفرنَ مني أو يكرهنني، وأخاف أن أقرر الانسحاب بعد أن وجدت ثغرًا أحفّظ به القرآن!

أحيانًا لا تتقبل الطالبة أن أردّها في التجويد والأحكام، مع أنني أتدرج معهنَّ ولا أعطي أحكامًا كثيرة، وأحاول أن يكون أسلوبي لينًا، ولكن عند ضجرها أشعر أن الموضوع صعب، وأخاف أن تكره توقيفي لها عند الخطأ، وقد حدث ذلك ولكن ليس كثيرًا.

أشعر أن الأمر معقد ويحتاج لصبر، لكنني أخاف أن أضعف، خاصة أنني أعاني في حياتي الشخصية، فأستقيل أو أستخدم أساليب صعبة.

انصحوني في طريقة تقوية العلاقة مع الحفاظ على الحدود، وكيف أصبر على المهملة؟ وكيف أحاول الموازنة بين الإشراف ومهامي الأخرى؟ فقد وقع تقصير كبير جدًّا، فالأمر مرهق ولا أستطيع استشارة أحد.

بارك الله فيكم على هذا الموقع النافع، وأحسن الله إليكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سلمى .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك لتواصلك معنا وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -ابنتي الكريمة- أنك تحملين مسؤوليةً جسيمةً في سن مبكرة، إذ تشرفين على حلقة تحفيظ القرآن الكريم، وما يرافق ذلك من تحديات في إدارة العلاقات مع الطالبات، والصبر على المقصرات، والتوازن بين مهامك الإشرافية وظروفك الشخصية، ولفت انتباهي بشكل خاص شعورك بأنك تحملين همهن فوق همك؛ وهذا يدل على قلب رحيم ونفس صادقة في حبها لما تقوم به.

ابنتي، ما تشعرين به من قلق حول سِنّك أمرٌ طبيعي تمامًا، لكن دعيني أذكرك بأن الله -سبحانه وتعالى- لم يختر لهذه المهمة الجليلة إلَّا من تستحقها، وقد مررت بالاختبار واجتزتِه بتوفيق الله، وقد أسند النبي ﷺ مهاماً جسيمةً لشباب في مقتبل أعمارهم، فقد ولَّى أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قيادة جيش وعمره سبعة عشر عامًا، وكان في الجيش كبار الصحابة؛ فسِنُّك ليست عائقًا، بل هي أمانة تحملتها بجدارة، ولا يُشترط في المشرفة أن تُفصح عن سِنِّها أو مدينتها لطالباتها، فالاحترام يُبنى على الكفاءة والأخلاق وحسن الأسلوب، لا على العمر وحده.

العلاقة الطيبة مع الطالبات لا تعني الانفتاح الكامل أو الصداقة بلا حدود، بل تعني أن تشعر كل طالبة بأنها مقدّرة ومفهومة ومدعومة، ومن أجمل ما يمكنك فعله:

- أن تتذكري ظرف كل طالبة وتسأليها باهتمام صادق بين الحين والآخر؛ فالاستماع الجيد يجعلك مؤثرةً في حياتهنَّ أكثر من كلمات كثيرة، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159]؛ فاللين ليس ضعفًا بل هو أداة المشرفة الناجحة.
- ويمكنك وضع حدود واضحة دون أن تُصرّحي بها، بأن تكوني إيجابيةً ومشجعةً في التعليقات العامة، ومتحفظةً في الأمور الشخصية؛ مما يُرسّخ هيبتك بصورة طبيعية دون تكلف.

من الأمور التي ستعينك -بإذن الله-:
- أن تتذكري أن طالباتك يحملن أعباءً حياتيةً حقيقيةً، والمتزوجة منهن لديها بيت وزوج وربما أطفال، فتأجيلها أحيانًا ليس كسلًا، بل قد يكون ضرورةً، وقد أحسنتِ حين خففتِ المقدار لضمان الاستمرار؛ فهذا من فقه التعليم.
- ومن الأساليب العملية التي تساعدك: أن تُذكّريهنَّ بفضل حاملة القرآن وما أعده الله لها، فقد قال النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (رواه البخاري).
- وأن تحتفلي بالإنجازات الصغيرة، فحفظ آية جديدة بعد أسبوع صعب هو انتصار يستحق التهنئة.

بشأن الطالبة التي في كرب شديد بسبب زوجها -لفت انتباهي هذه النقطة تحديدًا-: شعورك بالمسؤولية تجاه هذه الطالبة يدل على نبلك، لكن لا بد أن تعلمي أن دورك هو الإشراف على تحفيظ القرآن، لا المعالجة النفسية ولا الاستشارة الزوجية.

ما يمكنك فعله هو أن تكوني مستمعةً رحيمةً إذا فتحت هي الموضوع، وأن تشجعيها بلطف على التحدث لمن يمكنه مساعدتها فعليًا؛ أمَّا حمل همها على كاهلك، فلن يخدمها ولن يخدمك، قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]؛ فحدودك الإنسانية مراعاة لا قصور.

بخصوص التصحيح للطالبات، بعض الطالبات لا ترفض التصحيح في حد ذاته، بل ترفض ظهور الخطأ أمام الأخريات أو التصحيح في لحظة إرهاقها، وأنصحك بالتصحيح الخاص عبر رسالة شخصية لطيفة، بدلًا من التصحيح العلني، خاصةً للطالبات الحساسات، وأن تبدئي دائمًا بالثناء قبل الملاحظة، مثل أن تقولي لها: "ما شاء الله على جهدك، ولو ضبطنا هذا الحرف سيكون أجمل بإذن الله"؛ هذا الأسلوب يحفظ كرامتها، ويجعلها أكثر تقبلًا للتصحيح في المرات القادمة.

ابنتي، من الطبيعي جدًّا أن تمري بظروف نفسية صعبة، وأنت في مرحلة حساسة من عمرك، وأنصحك ألَّا تُثقلي نفسك بتوقعات مثالية، فكونك مشرفةً جيدةً لا يعني أن تكوني مثاليةً في كل لحظة، بل يعني أن تكوني صادقةً ومستمرةً، وإذا شعرت يومًا بالإرهاق فلا حرج أن تأخذي وقتًا قصيرًا، لإعادة شحن طاقتك قبل أن تعودي بعطاء أوفر.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً