الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشعر بالعجز وقلة الحيلة مع ابنتي التي تبالغ في غضبها وانفعالها!

السؤال

السلام عليكم.

ابنتي عمرها 25 عامًا، عصبية، وردود أفعالها مبالغ فيها، من سب، وشتم، ودعاء على من أساء لها، علاقتها مع أخيها الكبير سيئة، وخاصة بعد وفاة والدها الذي هو زوجي، ازدادت العلاقة سوءاً بعد خطبة أخيها وزواجه، مع أن زوجته باعترافها جيدة، ولم نر منها سوءاً، وفي كل مشكلة نبقى في نكد، وهم، وغم، وردة فعل قوية منها تستمر لأسابيع أحيانًا، رغم أني متعلمة، ومتفهمة، وهادئة جدًا بطبعي، وأجلس معها دائماً أخفف من غضبها، وأنصحها بأن الأمور أبسط من ذلك بكثير.

ابني هذا طيب القلب، لكنه لا يملك الأسلوب أحيانًا في الكلام، والذكاء الاجتماعي، في آخر مرة أساء لها لفظيًا، والنتيجة أنها غضبت غضبًا شديدًا، وبدأت بالصراخ، والبكاء، والانفعال، والسباب، وحاولنا أنا وخالتها تهدئتها لأربع ساعات دون فائدة، تحدثنا معها بعدها بأسبوع لمدة ثلاث ساعات، ووعدناها بأن أسلوبه سيتغير، وأن ما حدث لن يتكرر، فهدأت وقتها، ولكنها من داخلها ما زالت غاضبة، وحاقدة عليه، وعلى زوجته، وترفض الحديث معهما، ونحن تقريبًا في نفس المنزل.

المشكلة أنها تلومني باستمرار، وتصرخ، وتتحدث بطريقة جارحة جدًا؛ لأنني السبب في رأيها؛ لأن المطلوب مني في رأيها أن أتخذ منه موقف المقاطعة، فلا أتحدث معه أبدًا، وأسمعه الكلام القاسي الذي يستحقه، وعندما نسألها عما يرضيها لتخرج من هذه الحالة تقول: لا أريد أن يعتذر، أريد أن أراه نادًما من الداخل بشدة، ولا يمارس حياته الطبيعية من خروج، ودخول، وعمل.

حاولت أن أتكلم معها كأم مع ابنتها بشكل هادئ، ولطيف، بكلام مدعوم بالقرآن والحديث الشريف عن التحذير من الغضب، والحقد، وأهمية الصفح، والمسامحة بين الإخوة، وصلة الرحم، وأخبرتها عن فن التجاهل، وعدم الوقوف عند كل كلمة، وكل نظرة، أو حركة، لأن هذا متعب جدًا، وأهميه المرونة في الحياة، ولكن بلا فائدة.

عندما تغضب بصراحة تكون مخيفة؛ وجهها، وعيناها، وحركات يديها، والكلمات التي تصدر عنها تفاجئني، وأشعر بالخوف الشديد، وصرت أكره المكوث في المنزل.

ويشهد الجميع بأنني بعد وفاة زوجي فعلت كل ما بوسعي لأربي أولادي أحسن تربية، وأحسن الأخلاق، وقد تخرجوا جميعًا من الجامعة، والكل يشهد لهم بالأخلاق والسلوك الحسن، ولكن هذه المشكلة التي تواجهني لا أعرف كيف أتعامل معها!

هل تحتاج ابنتي إلى طبيب نفسي، أم إلى مرشد اجتماعي، أم ماذا؟ فأنا أشعر بقلة الحيلة والعجز والحيرة، ولا أعرف ماذا أفعل؟

يشهد الله أني فعلت كل ما أستطيع، من حوار، ودعاء مكثف، وقيام ليل، وأداء العمرة معها.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ياسمين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك تواصلك مع موقع اسلام ويب وطلب المساعدة، ونسأل الله تعالى أن يرحم زوجك رحمة واسعة، وأن يجزيك خير الجزاء على ما بذلتِه من جهد في تربية أبنائك، ورعايتهم بعد وفاة والدهم، وأن يبارك فيهم جميعًا.

ومن خلال ما ذكرتِه في استشارتك يظهر بوضوح حرصك على أبنائك، وصبرك عليهم، وسعيك المستمر للإصلاح بينهم بالحوار والنصح والدعاء؛ وهذه كلها أسباب عظيمة تؤجرين عليها عند الله تعالى، كما أن نجاح أبنائك في دراستهم، وحسن أخلاقهم وسلوكهم يدل على أنك قمتِ بدورك التربوي على الوجه الحسن، ولا ينبغي أن تحملي نفسك مسؤولية كل ما يحدث الآن؛ فالأبناء يختلفون في طبائعهم واستجاباتهم النفسية والانفعالية، وقد يكون أحدهم أكثر حساسية أو أشد تأثرًا بالضغوط من غيره، رغم نشأتهم في البيئة نفسها، وتلقيهم التربية ذاتها.

ومن المهم هنا أن ننظر إلى ابنتك على أنها لا تحتاج إلى اللوم بقدر ما تحتاج إلى الفهم والاحتواء والمساعدة، خاصة أن ما تصفينه من شدة الانفعال، واستمرار الغضب والحقد لفترات طويلة يشير إلى وجود معاناة نفسية واجتماعية حقيقية وراء هذه التصرفات.

ومن المحتمل أن تكون وفاة والدها قد تركت أثرًا نفسيًا أعمق مما بدا للآخرين؛ فكثير من الأبناء، خاصة البنات، يشعرون بعد فقد الأب بفقدان مصدر الأمان والدعم العاطفي، وقد تتوقع الابنة -بصورة واعية أو غير واعية- أن يعوض الأخ الأكبر جزءًا من هذا الاحتواء والاهتمام.

فإذا كانت تشعر بأن أخاها لا يهتم بها، أو لا يطمئن عليها، أو يتعامل معها بجفاء، أو بأسلوب جارح؛ فإن ذلك قد يوقظ لديها مشاعر قديمة من الألم والحرمان، فتكون ردود أفعالها أكبر من حجم الموقف نفسه.

كما أن تدهور العلاقة بعد خطبة الأخ وزواجه قد يحمل دلالات نفسية مهمة؛ فليس بالضرورة أن تكون المشكلة في زوجة الأخ نفسها، خاصة أنها مشهود لها بحسن أخلاقها، ولكن قد تكون هناك مشاعر غيرة، أو مقارنة مؤلمة ناتجة عن كون أخيها قد استقر في حياته الزوجية، بينما هي لم تتزوج بعد، وهذه المشاعر قد لا تعبر عنها مباشرة، وإنما تظهر في صورة غضب، أو رفض، أو حساسية زائدة تجاه أخيها وزوجته.

ومن خلال وصفك لردود أفعالها يبدو أن الأمر تجاوز مجرد الغضب العادي؛ فهي لا تكتفي بالرغبة في الاعتذار، أو إصلاح الخطأ، بل تريد أن ترى أخاها متألماً ونادماً ومعطلاً عن ممارسة حياته بصورة طبيعية؛ وهذا يدل على وجود نزعة انتقامية، ناتجة غالبًا عن تراكم مشاعر سلبية، وضغوط نفسية قديمة، وليس فقط بسبب الموقف الأخير.

كما أن استمرار الغضب لأسابيع، والانفجار الشديد عند الإساءة، وصعوبة تهدئتها، وكثرة الصراخ والسباب والدعاء على الآخرين، وتحميل الآخرين المسؤولية الكاملة عن مشاعرها؛ كلها مؤشرات تستدعي النظر إلى الجانب النفسي بجدية أكبر، ولا يمكن من خلال الاستشارة الجزم بوجود اضطراب نفسي محدد، لكن من الواضح أن لديها صعوبة في تنظيم انفعالاتها والسيطرة على مشاعر الغضب، والأذى النفسي الذي تشعر به.

لذلك فإننا نرى أن عرضها على طبيب نفسي أو أخصائي نفسي، أمر مناسب ومطلوب إذا استمرت هذه الحالة، أو كانت موجودة منذ سنوات بصورة متكررة، والهدف هو الوصول إلى تشخيص دقيق لطبيعة المشكلة، ومعرفة ما إذا كانت تعاني من اضطراب مزاجي، أو صعوبات في تنظيم الانفعالات، أو آثار نفسية مرتبطة بالفقد والضغوط المتراكمة.

كما أن العلاج النفسي السلوكي قد يكون مفيداً لها؛ حيث يساعدها على فهم أسباب غضبها وانفعالاتها، واكتساب مهارات التحكم في نوبات الغضب، وتعديل الأفكار السلبية والمبالغات في تفسير المواقف، وتعلم مهارات التسامح والتجاوز الصحي عن الإساءات، وكذلك تحسين مهارات التواصل مع الآخرين، والتعبير عن المشاعر بصورة متزنة.

أما على المستوى الأسري: فنوصي بتجنب الدخول في نقاشات طويلة أثناء نوبات الغضب الحادة؛ لأن الشخص في تلك اللحظات يكون أقل قدرة على الاستماع أو الاستفادة من النصيحة، كما يجب عدم الاستمرار في محاولة إقناعها بأن الأمر بسيط؛ لأن ما يبدو بسيطًا للآخرين قد يكون مؤلمًا جدًا بالنسبة لها، والأفضل هو الاعتراف بمشاعرها أولًا، ثم مساعدتها لاحقًا على التعامل معها بصورة أكثر توازنًا، ويمكن أيضًا تشجيع الأخ على تحسين أسلوبه معها، وإظهار قدر أكبر من الاهتمام والسؤال عنها، ولو كان ذلك بصورة تدريجية وغير مباشرة.

ويمكن مساعدتها لتوسيع دائرة حياتها الاجتماعية والعملية؛ من خلال العمل، أو الدراسة، أو الأنشطة التطوعية، أو العلاقات الاجتماعية الصحية؛ لأن الانشغال الإيجابي يقلل من التركيز المفرط على الخلافات الأسرية، مع مراعاة تعزيز جوانب النجاح والقوة في شخصيتها، وإشعارها بقيمتها ومكانتها داخل الأسرة، بعيدًا عن المقارنات أو الصراعات.

وفي الختام: نطمئنك أن ما تمر به ابنتك لا يعني بالضرورة فشلًا تربويًا، أو خللًا في أسرتكم، وإنما يبدو أقرب إلى تفاعل بين شخصية شديدة الحساسية، وآثار فقد الأب، وبعض الصعوبات في العلاقة مع الأخ، وربما ضغوط نفسية واجتماعية متراكمة تحتاج إلى فهم وعلاج.

لذلك: ننصح بالبدء بخطوة التقييم النفسي المتخصص، مع استمرار الاحتواء الأسري والدعاء لها، وعدم اليأس من تحسن حالها -بإذن الله-.

نسأل الله أن يصلح أحوالكم، ويؤلف بين قلوبكم، ويبدل ما تجدونه من هم وقلق سكينةً ومودةً ورحمة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً