الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لدي وسواس شديد بسبب الخوف من إصابة الناس بالعين، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني منذ عدة سنوات من وسواس شديد يتعلق بالعين، فعندما أرى شيئًا يعجبني أو شخصًا يعجبني، يأتيني خوف شديد بأنني قد أؤذيه بالعين إذا لم أقل: "ما شاء الله" أو أدعو له بالبركة، أصبحت أشعر بمسؤولية كبيرة عن سلامة الناس، وأشعر أحيانًا أنني إذا لم أقل هذه الكلمة فقد أكون سببًا في أذيتهم، وهذا سبب لي وسواسًا، ومعاناة وقلق مستمرين.

أعلم أن العين حق، لكني قرأت أن العلماء اختلفوا في حكم التبريك عند الإعجاب، وأن جمهور العلماء على الاستحباب، بينما قال بعض أهل العلم بالوجوب.

وسؤالي هو: في حالتي كشخص عنده وسواس في هذا الأمر، ويعاني من هذا الأمر منذ سنوات، هل يجوز لي أن آخذ بالقول الأيسر، والذي هو قول جمهور العلماء القائل باستحباب التبريك لا بوجوبه، وأن أتعامل معه على هذا الأساس، كأساس علاجي لحالتي وحتى لا يزداد الوسواس علي؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يعافيك من الوسواس، وأن يرزقك الفقه في دينه والطمأنينة في قلبك، وأن يجعلك من عباده المتوكلين عليه حق التوكل، ودعنا نجيبك من خلال ما يلي:

1- من خلال رسالتك يظهر أن المشكلة الأساسية عندك ليست حكم التبريك نفسه، وإنما الوسواس الذي تعلق بمسألة العين، حتى جعلك تشعر بمسؤولية مبالغ فيها عن سلامة الناس وأحوالهم، وهذا من طبيعة الوسواس، فإنه لا يقف عند معرفة الحكم الشرعي، بل ينتقل إلى تحميل صاحبه ما لم يكلفه الله به، حتى يعيش في خوف ومراقبة دائمة لنفسه وأفكاره وكلماته.

2- العين حق بلا شك، وقد ثبت ذلك في السنة «العين حق»، وثبت أيضًا مشروعية التبريك عند الإعجاب، والخلاف فيه بين الوجوب والاستحباب معروف بين أهل العلم، لكن في الوقت نفسه لا يجوز للوسواس أن يحول المسائل الخلافية إلى أبواب عذاب وقلق دائم، فإذا غلب على ظنك بعد النظر وسؤال أهل العلم أن قول الجمهور قول معتبر في المسألة، فلا حرج عليك في العمل به خاصة عند النسيان، بمعنى أن تعود اللسان على التبريك فإن نسيت فلا حرج عليك، ولا ينبغي أن تبقى أسيرًا للخوف والاحتمالات والشكوك بعد ذلك.

3- من المهم أن تعلم أن الشرع لم يجعلك مسؤولاً عن كل شيء يعجبك، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يعيشون ويتعاملون، ويتزوجون، ويتاجرون، ويرون من النعم ما يرون، ولم يكونوا يعيشون هذا القدر من القلق والتفتيش والمراقبة الذي يعيشه الموسوس؛ لأنهم فهموه فعاملوه بالإهمال.

4- الذي أراه في كلامك أن الوسواس أوهمك بفكرة خفية، وهي أنك إذا لم تقل "تبارك الله" فربما أصيب الشخص، وإذا أصيب أصبحت أنت المسؤول! وهذه الفكرة نفسها تحتاج إلى تصحيح، فالإصابة بالعين ليست أمرًا يقع بمجرد النظر والإعجاب على هذا الوجه الذي يتخيله الموسوس، كما أن الله سبحانه لم يجعل الناس وأرزاقهم وصحتهم معلقة بعبارة تنسى، أو كلمة لا تقال، فهون عليك.

5- العلاج العملي في حالتك أن تكف عن مراقبة نفسك، فإذا رأيت شيئاً أعجبك، وقلت: ما شاء الله أو بارك الله فيه، فهذا خير، وإن مضيت ولم تقلها، فقلها من فورك، فلا حرج، ولا تستدرك، ولا تفتش في ذاكرتك، ولا تحمل نفسك إثمًا، ولا مسؤولية؛ لأن هذه الاستدراكات هي الوقود الحقيقي للوسواس.

6- من القواعد المهمة التي يحتاجها الموسوس أن الأصل براءة الذمة، فأنت لا تنتقل إلى الإثم، ولا إلى المسؤولية بمجرد احتمال، أو شعور، أو خوف، بل حتى لو أعجبك شيء ثم أصابه بعد ذلك مكروه، فلا يجوز لك أن تربط الأمر بنفسك بمجرد الظنون؛ لأن هذا من تتبع الأوهام التي نهى الشرع عنها.

وأحب أن أنبهك إلى أن الشيطان قد يستغل حرص الإنسان على الخير ليوقعه في الغلو، فأنت تريد أن تحفظ الناس من الأذى، وهذا مقصد حسن، لكن الوسواس حوّله إلى قلق دائم، وإلى شعور بأنك مسؤول عن كل ما يقع لمن حولك، بينما المؤمن يفعل ما شرعه الله، ثم يمضي مطمئنًا، ولا يعيش أسيرًا للاحتمالات.

لذلك أنصحك أن تجعل لنفسك قاعدة ثابتة: إذا جاءك الوسواس في العين فلا تبحث عن الفتاوى مرة أخرى، ولا تراجع المسألة مرة أخرى، ولا تدخل في مناقشات جديدة حولها، فقد اتضح لك أن في المسألة قولاً معتبرًا لجمهور العلماء بالاستحباب، فاعمل به عند النسيان، وأغلق باب المراجعة؛ لأن الموسوس لا يبحث عن العلم غالبًا، وإنما يبحث عن يقين لا ينتهي إليه أبدًا.

وأرى أن من أنفع ما تقوله لنفسك عند ورود هذا الوسواس: أنا لم أتعمد إيذاء أحد، ولله أقدار وحكم، والله لم يكلفني بهذا الحمل الثقيل، وامض ولا تلتفت، ومع تكرار هذا المعنى والتوقف عن الاستجابة للوسواس سيضعف بإذن الله شيئًا فشيئًا.

7- من المهم أن تجعل لك وردًا ثابتًا، وصحبة صالحة، وعملاً تستهلك فيه وقتك، ورياضة تستثمر فيها فراغك، فهذا من أنفع المعينات لك.

نسأل الله أن يعافيك من الوسواس، وأن يرزقك فقهًا صحيحًا وطمأنينة صادقة، وأن يجعلك من عباده الذين يعبدونه على بصيرة دون غلو ولا تفريط، وأن يشرح صدرك وييسر أمرك، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً