الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعبت نفسيًا وتأثرت دراستي بسبب استهزاء أخواتي بي، فما الحل؟

السؤال

أخواتي يستهزئن بي في حضوري وفي غيابي، وينتقدنني على أتفه الأشياء، ومهما استهزأن بي أمام أمي وأبي فلا يقولان لهن شيئًا؛ لأن أخواتي يغضبن حتى على أمي وأبي، لكن عندما أقول لأختي شيئًا يزعجها، يستمر والداي في توبيخي.

نفسيتي تدمرت بسببهن، وأضطر كثيرًا إلى جرح نفسي بشيء حاد حتى أتوقف عن البكاء، فبكائي لا يريحني، ماذا أفعل، وماذا أقول لهن؟ لأنني لا أستطيع التجاهل، وأريد أن أقول شيئًا يضع لهن حدودًا حتى دون أن يبدأن، أريد أن أبدأ أنا هذه المرة؛ لأريح نفسيتي وأتوقف عن البكاء.

فمع تأثر نفسيتي تأثر مستواي الدراسي أيضًا؛ لأنني لم أستطع الدراسة وأنا أبكي كل يوم أكثر من 7 مرات!

ما عقاب أخواتي يوم القيامة، فأنا لا أسامحهن؟!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حلا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكِ إلى صالح القول والعمل.

بدايةً أختي الفاضلة، في مثل سنكِ المبكر، ولا سيما في بدايات مرحلة المراهقة، تكون الحساسية النفسية مرتفعة تجاه المواقف التي يشعر فيها الإنسان بالظلم، أو الانتقاص من قدره، أو عدم تقدير مشاعره، ولهذا قد تبدو بعض المواقف أكبر من حجمها الحقيقي، وتتضخم آثارها النفسية بصورة ملحوظة، وإذا استمر الحزن والضيق دون معالجة صحيحة، فقد يقود ذلك إلى مشكلات نفسية خطيرة، كالاكتئاب الشديد، أو إيذاء النفس، أو غير ذلك من السلوكيات المؤذية التي يلجأ إليها بعض الأشخاص هربًا من واقع يعتقدون أنهم عاجزون عن تغييره.

أختي الكريمة، من المهم جدًا أن تفهمي نفسكِ جيدًا؛ لأن فهم الذات هو الخطوة الأولى نحو إدارة المشكلات والتعامل معها بصورة صحيحة، إن المواجهة الواعية للواقع، والتعامل معه بعقلانية واتزان، هما الطريق الأمثل للتخفيف من التوتر، والخروج من هذه البيئة الضاغطة.

أما الشعور المستمر بالضعف والعجز، والنظر إلى النفس على أنها ضحية، لا تملك أي وسيلة للدفاع عن حقوقها سوى البكاء أو إيذاء نفسها، فهو مؤشر على استنزاف قدر كبير من القوة النفسية، وعلى تراكم مشاعر الحزن والألم في داخلكِ دون تفريغ صحي أو معالجة مناسبة.

ولذلك سنعرض لكِ مجموعة من الإرشادات العملية التي قد تساعدكِ على التعامل مع هذا الواقع، والتخفيف من آثاره السلبية:

أولًا: الحوار الصريح والهادئ والمباشر: لا شك أن الحياة الأسرية لا تخلو من لحظات هدوء تتراجع فيها حدة التوتر والخلافات، حاولي استثمار تلك الأوقات للجلوس مع والدتكِ أو والدكِ أو أختكِ الكبرى، وتحدثي معهم بصراحة عن المعاناة التي تعيشينها، وعن الأثر النفسي الذي تتركه هذه التصرفات في نفسكِ.

اشرحي لهم أن الأمر لم يعد مجرد مشاعر عابرة، بل وصل إلى درجة دفعتكِ إلى إيذاء نفسكِ أو التفكير في ذلك، وأنه بدأ يؤثر في دراستكِ واستقراركِ النفسي ومستقبلكِ، فقد يكون بعض أفراد الأسرة غير مدركين لحجم الأذى الذي تسببه تصرفاتهم، وعندما يعلمون بحقيقة ما تشعرين به قد يتغير تعاملهم معكِ إلى الأفضل.

ثانيًا: الاستعانة بشخص حكيم من الأقارب: إذا وجدتِ صعوبة في التحدث معهم مباشرة، فحاولي الاستعانة بأحد الأقارب الذين تثقين بحكمتهم وتأثيرهم، كخالٍ أو عمٍ أو قريب من الرجال أو النساء يحظى باحترام الأسرة وتقديرها.

يمكن لهذا الشخص أن ينقل مشاعركِ ومعاناتكِ إليهم بطريقة واضحة ومتزنة، وأن يوضح لهم خطورة استمرار هذا الوضع وآثاره النفسية عليكِ، فمثل هذه المشكلات لا ينبغي تجاهلها أو السكوت عنها عندما تصل إلى هذا الحد من التأثير.

ثالثًا: تقليل الاحتكاك ببيئة التوتر والانشغال بما ينفع: كلما بقيت غارقة في أجواء التوتر والصراعات ازدادت مشاعر القلق والحزن والألم في نفسك، كما أن الاستغراق المستمر في التفكير بالمشكلات يعمق آثارها، ويجعلها أكثر حضورًا في الذهن، لذلك من المهم أن تحاولي إشغال وقتكِ بما يعود عليكِ بالنفع والفائدة، من خلال المشاركة في الأنشطة المدرسية، أو تعلم المهارات الجديدة، أو حضور حلقات تحفيظ القرآن الكريم، أو مجالس العلم، أو البرامج التطوعية والأنشطة الإبداعية، فهذه الأمور تساعد على تجديد الطاقة النفسية، وتخفف من التركيز المفرط على المشكلات الأسرية.

رابعًا: تنمية مهارة التجاهل، وضبط ردود الأفعال: رغبتك في الرد على كل إساءة أو الانتصار للنفس في كل موقف، قد تؤدي أحيانًا إلى زيادة التوتر وتصعيد الخلافات، ولذلك من الحكمة أن تتعلمي التمييز بين المواقف التي تستحق الرد والمواقف التي يكون تجاهلها أكثر نفعًا، وإذا احتجتِ إلى الرد، فليكن ذلك بهدوء وثقة واحترام، بعيدًا عن الصراخ أو الانفعال الشديد، فالحزم الهادئ يعكس قوة الشخصية واتزانها، بينما يترك البكاء المستمر أو ردود الفعل الحادة انطباعًا بالضعف، أو فقدان السيطرة على المشاعر.

خامسًا: بناء الذات والتركيز على المستقبل: لا شك أن العيش في بيئة يكثر فيها الخلاف أو سوء الفهم أمر مؤلم وصعب، ولكن من الصعب أيضًا أن يتمكن الإنسان من تغيير كل ما حوله، ولهذا فإن الحل الأكثر واقعية هو تعلم إدارة هذه الظروف بطريقة صحيحة، انظري إلى بعض التصرفات المزعجة على أنها جزء من صعوبات الحياة اليومية التي يمكن التعايش معها دون أن تسيطر على مشاعركِ أو تعطل مسيرتكِ.

فعلى سبيل المثال، إذا كان بعض ما يصدر من أخواتكِ مجرد عادات متكررة أو مواقف تافهة لا تستحق الخلاف، فاسألي نفسكِ قبل الرد:
- هل هذا الأمر يستحق أن أشغل نفسي به؟
- ماذا سأستفيد من الرد؟
- ما النتيجة والثمرة من هذا الفعل؟
فإن كان لا يستحق، فتجاوزيه وواصلي حياتكِ بهدوء، فلو تحول كل موقف بسيط إلى معركة وصراع، فلن يتمكن الإنسان من العيش براحة وسلام.

سادسًا: الحرص على أسباب الراحة النفسية والإيمانية: فمن أعظم ما يعين الإنسان على تجاوز الهموم والضغوط النفسية تقوية صلته بالله تعالى، فأكثري من ذكر الله، وقراءة القرآن الكريم، والمحافظة على الصلوات في أوقاتها، والاجتهاد في الأعمال الصالحة، فهذه العبادات تملأ القلب طمأنينة وسكينة، وتمنح النفس قوة على الصبر والتحمل ومواجهة المصاعب، قال الله تعالى ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

وأخيرًا، أختي الكريمة: تذكري أن للوالدين حقًا عظيمًا في البر والإحسان والطاعة في المعروف، ولا يجوز رفع الصوت عليهما أو الإساءة إليهما، سواء منكِ أو من أخواتكِ، فإن ذلك من العقوق الذي نهى الله عنه، فاحرصي على نصح أخواتكِ بلطف إن رأيتِ منهن تقصيرًا في هذا الجانب، واجتهدي أنتِ في الإحسان إلى والديكِ وحسن صحبتهما وخدمتهما، فالإحسان له أثر عظيم في النفوس، وغالبًا ما يقرب القلوب ويزيد المودة ويغير كثيرًا من المواقف السلبية.

اجعلي قصدكِ في ذلك كله ابتغاء وجه الله تعالى وطلب مرضاته، مهما وجدتِ من تقصير أو إساءة من الآخرين، فالله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وسيجزيكِ على صبركِ واحتسابكِ خير الجزاء.

أختي الفاضلة، ما زلتِ في مقتبل العمر، ولا ينبغي أن تقفي عند هذه المشكلات أو تسمحي لها بأن تعيق مسيرتكِ في الحياة.

اجعلي اهتمامكِ الأكبر منصبًا على بناء شخصيتكِ، وتنمية مهاراتكِ، والاهتمام بدراستكِ، والسعي إلى التفوق والنجاح، فأنتِ في مرحلة مهمة تحتاج إلى الاستقرار النفسي، والثقة بالنفس والإنجاز العلمي، حتى تتمكني من تحقيق أهدافكِ وصناعة مستقبل مشرق بإذن الله.

وأكثري من الدعاء والتضرع إلى الله تعالى أن يصلح ما بينكِ وبين أفراد أسرتكِ، وأن يؤلف بين القلوب، وأن يبدل حالكم إلى أحسن حال، وأكثري من أعمال الخير والإحسان والمعروف، فإن الله كريم رحيم، قادر على أن يغير الأحوال، ويبدل الشدة فرجًا، والحزن سعادة، والضيق سعة.

وفقكِ الله، وأصلح شأنكِ، ويسر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً