الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أنظم وقتي بين حفظ القرآن ومراجعته، ومسؤوليات الأسرة

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أود أن أسأل عن مسألة تتعلق بورد حفظ القرآن وورد المراجعة، فقد بدأتُ منذ أشهر حفظ القرآن الكريم -بفضل الله-، وأحفظ نصف ثمن يوميًا تقريبًا، لكنني بدأتُ أشعر أنني أنسى شيئًا من الحفظ القديم، في العادة أجعل لي وِردًا يوميًا من القرآن، أقرأ فيه حزبًا أو جزءًا، حسب الوقت المتاح، أمَّا الآن فأصبحتُ أحتاج إلى وقتٍ أكبر للحفظ والمراجعة، فلا يتبقى لي وقت للحزب.

هل أُؤجر على وردي اليومي من القرآن، إذا جعلتُ مراجعتي للحفظ القديم ربع حزب يوميًا، بدلًا من القراءة المعتادة للحزب أو الجزء؟ وهل تُعدّ مراجعة المحفوظ من القرآن من جملة الورد الذي يُثاب عليه المسلم؟

كما أن الحفظ يأخذ مني جهدًا كبيرًا؛ فذاكرتي ليست قوية في الحفظ، ولا أعتمد على التكرار فقط، بل أحتاج أحيانًا إلى كتابة بعض الآيات وقراءة تفسيرها، وفهم سياقها، حتى يثبت الحفظ عندي، وهذا يجعل الأمر يستغرق وقتًا أطول.

وأحب أن أوضح أنني متزوجة ولدي مسؤوليات بيت، ولذلك أحاول الموازنة بين حق القرآن وواجباتي الأسرية ومسؤولياتي اليومية، فما هي الطريقة الأنسب لتنظيم وقتي بين الحفظ الجديد، ومراجعة القديم وورد التلاوة؟

جزاكم الله خيرًا، ونفع بكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ شيماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ أختنا الكريمة في موقعك إسلام ويب، وردًّا على استشارتكِ أقول، وبالله تعالى التوفيق:

أولًا: أسأل الله تعالى أن يعلي همتكِ، ويثبت حفظكِ، ويزيدكِ فهمًا وعلمًا، وأن يعينكِ على إكمال حفظ القرآن الكريم، ويجزل لكِ المثوبة، آمين.

ثانيًا: اعلمي أن مراجعة القرآن المحفوظ من أجل تثبيته عبادة عظيمة، بل هي من أهم ما يحتاجه حافظ القرآن؛ لأن النبي ﷺ حث على تعاهد القرآن، فقال: «تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا»، فالمراجعة ليست عملًا منفصلًا عن تلاوة القرآن، بل هي نوع من أنواع الاشتغال بكتاب الله تعالى، فاجعلي وردكِ اليومي من التلاوة من ضمن مراجعة المحفوظ.

ثالثًا: أنتِ مأجورة -بإذن الله- على مراجعتكِ للمحفوظ، كما تؤجرين على التلاوة المعتادة، بل قد تكون المراجعة في بعض المراحل أولى من الإكثار من الحفظ الجديد؛ لأن المقصود ليس مجرد زيادة المحفوظ، وإنما حفظه وضبطه وإتقانه.

• الأفضل -كما سبق- أن تجعلي حزبكِ اليومي من التلاوة مما تحفظينه، فإذا كنتِ مثلًا تحفظين نصف القرآن، فاجعلي ورد التلاوة يبدأ من سورة الكهف، فمريم، فطه، فالأنبياء، وهكذا، واجعلي مراجعة المحفوظ تبدأ من الجزء الثالث والعشرين، ثم الجزء الرابع والعشرين، فالخامس والعشرين، إلى نهاية القرآن الكريم.

• فإذا انتهيتِ من مراجعة المحفوظ بسورة الناس، جعلتِ بداية مراجعة المحفوظ من حيث وصلتِ بالحفظ، وواصلتِ الورد اليومي من حيث بدأتِ مراجعة المحفوظ، وهكذا تكون دورة مراجعة القرآن الكريم.

• اجعلي ما تقرئينه في صلاتكِ من ضمن الورد اليومي والمراجعة، فذلك يجعلكِ دائمة التعاهد للقرآن الكريم.

• أوصيكِ أن تكثفي المراجعة، وتقللي المحفوظ، فذلك أدعى لتثبيت المحفوظ، لكن إن وجدتِ في الحفظ سهولة في بعض المقاطع، فلا مانع من الزيادة.

رابعًا: جعلكِ للورد اليومي من ضمن ما قد حفظته، لا يحرمكِ من أجر التلاوة للورد اليومي، بل ذلك هو الأفضل، كما سبق.

خامسًا: ما ذكرتِه من بطء الحفظ، وحاجتكِ إلى كتابة الآيات، وقراءة تفسيرها، وفهم السياق، لا تنظري إليه على أنه ضعف أو تقصير؛ فلكل إنسان طريقته في الحفظ، بل إن فهم المعاني وربط الآيات بسياقها من أقوى أسباب رسوخ الحفظ واستمراره، وقد يكون من يحفظ بسرعة بحاجة إلى مراجعة أكثر ممن يحفظ بتأنٍّ وفهم.

سادسًا: كونكِ زوجةً ولديكِ مسؤوليات أسرية، أمر ينبغي مراعاته؛ فالشرع لا يكلف الإنسان ما لا يطيق، ومن الحكمة أن تسيري في مشروع الحفظ بخطوات ثابتة متوازنة، لا بخطوات سريعة يعقبها الملل أو التفلت.

سابعًا: توجيهات عملية مهمة في هذه المرحلة:
• اجعلي الأولوية لتثبيت ما تم حفظه.
• استمري في الحفظ الجديد بالمقدار الذي تستطيعين المحافظة عليه دون إرهاق.
• خصصي وقتًا يوميًا للمراجعة، ولو كان ربع حزب أو أقل؛ فالمداومة أهم من الكثرة.
• استثمري الأوقات المتفرقة في البيت، كأثناء الأعمال المنزلية أو المشي، بمراجعة القرآن من حفظكِ، أو بسماعه عبر تنزيله على الهاتف، للقارئ الذي ترتاحين لسماع صوته، فذلك مما يعين على تثبيت الحفظ، وقطع شوط أكبر في المراجعة.
• إذا شعرتِ أن المحفوظ بدأ يضعف، فخففي مقدار الحفظ الجديد مؤقتًا، وزيدي المراجعة حتى يستقر.

ثامنًا: يمكن أن يكون برنامجكِ المقترح على النحو الآتي:
• حفظ نصف ثمن، أو المقدار المعتاد يوميًا، بحسب سهولة أو صعوبة المقطع.
• مراجعة نصف جزء من المحفوظ القديم.
• تلاوة جزء من المحفوظ حسب ما ذكرتُ لكِ سابقًا، ولو بعد الصلوات الخمس بمقدار ورقتين بعد كل صلاة، فتأتي صلاة العشاء وقد أكملتِ جزءًا بإذن الله، ولا مانع من الزيادة إن سمح لكِ الوقت.
• اجعلي ما تقرئينه من القرآن في الفرائض والنوافل، كصلاة الضحى، والنوافل القبلية والبعدية، وصلاة الليل، من ضمن المراجعة للمحفوظ، ولا مانع أن يكون بيدكِ أثناء الصلاة الهاتف، بحيث لو التبست عليكِ آية راجعتِها من الهاتف.

تاسعًا: من أعظم ما يعينكِ على الاستمرار هو:
• عدم مقارنة نفسكِ بغيركِ؛ فالعبرة ليست بسرعة الإنجاز، وإنما بثبات الطريق، وقد قال النبي ﷺ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».

• استعيني بالله في حفظكِ بهدوء وطمأنينة، ولا تقلقي من بطء التقدم، فإن من لازم القرآن حفظًا ومراجعةً وفهمًا وعملًا، فهو على خير عظيم، ونرجو أن تكوني من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

• تضرعي بالدعاء بين يدي الله تعالى وأنتِ ساجدة، وفي الثلث الأخير من الليل، وسائر أوقات الإجابة، وسلي الله تعالى أن يعينكِ ويوفقكِ ويثبت القرآن في صدركِ.

• الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي ﷺ، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب. ففي الحديث: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ». وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».

نسأل الله تعالى أن يبارك لكِ في وقتكِ وأهلكِ، وأن يرزقكِ حفظ كتابه وإتقانه والعمل به، وأن يجعله شفيعًا لكِ يوم القيامة، إنه سميع مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً