الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أصلح ما بيني وبين زوجتي قبل أن أطلق؟

السؤال

السلام عليكم.

تزوجت عن حب دام 9 سنوات، وأثناء هذه الفترة كانت هناك بعض التجاوزات، ثم تم الزواج منذ سنتين، ورزقنا بطفلة تبلغ من العمر 10 أشهر، ولكن منذ 8 أشهر ونحن في صراعات، ومشاكل رهيبة، دون وجود سبب حقيقي، تطورت إلى حد الوصول للمحاكم والأذية، وتحول الحب إلى كراهية وغل، وسط اندهاش واستغراب من الجميع؛ لمعرفتهم بخلفية حبنا الشديد قبل الزواج.

وكنت أحاول الإصلاح أو الطلاق الودّي بكل الطرق، ولكن كان الباب يغلق في وجهي بدون تفسير، حتى إنني كنت أخرج إطعامًا بنيّة التوفيق في الإصلاح أو الطلاق الودّي، ولم يكن الموضوع يتم، بل نعود إلى مشاحنات أخرى.

فسؤالي: هل ما نحن فيه عقاب وجزاء من الله؟ وهل أذهب الله عنا البركة والمودة والألفة؟ أم أن الله يريد لنا شيئًا أفضل من ذلك؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مصطفى حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الكريم- في شبكة إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله تعالى:

قرأت استشارتك بتمعن، فوجدت فيها قدرًا كبيرًا من الحيرة والألم؛ فمن عاش قصة حب طويلة، ثم وجد نفسه، بعد عامين من الزواج أمام المحاكم والخصومات، دون وجود سبب حقيقي، يؤدي به ذلك إلى التساؤل: كيف وصلنا إلى هنا؟! وهل هناك سبب، كالحسد والسحر مثلًا، أم أن ذلك ابتلاء من الله تعالى ليرفع درجاتنا، أم عقوبة لسبب أو لآخر؟

سأجيب عن استشارتك بطريقة تجمع بين الإيمان بالقدر، والأخذ بالأسباب، والنظر الواقعي إلى الحياة.

أولًا: لا يجوز الجزم بأن ما أصابكما عقوبة من الله؛ فلا يعلم حقيقة المقادير إلا الله سبحانه، والبلاء قد يكون عقوبة، وقد يكون تكفيرًا للذنوب، وقد يكون رفعة للدرجات، وقد يكون ابتلاءً ليميز الله الصادق من غيره، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.

قد يبتلي الله المسلم ليرفع درجته إن صبر؛ ففي الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ، ولا وَصَبٍ، ولا همٍّ، ولا حَزَنٍ، ولا أذًى، ولا غمٍّ، حتى الشوكةِ يُشاكُها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه»، فلا تشغل نفسك بمحاولة معرفة سر القدر، وإنما اجتهد في معرفة ما يرضي الله في التعامل مع هذا القدر.

لا شك أن ما حصل بينك وبين زوجتك أمر مقدر عليكما من قبل أن يخلقكما الله سبحانه، بل كل ما يدور في هذا الكون يسير وفق قدر الله، لا يتخلف، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «قدَّر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»، ولما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: «اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة»، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «كل شيء بقضاء وقدر، حتى العجز والكيس»، والكيس: الفطنة.

أقدار الله تعالى كلها خير للمؤمن، فقد يحب شيئًا وهو شر له، وقد يكره شيئًا وهو خير له، كما قال سبحانه: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

المؤمن يتقلب بين مرتبتي الصبر والشكر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكانت خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكانت خيرًا له».

ثانيًا: ذكرت في استشارتك أنه قد حصلت منك ومن زوجتك تجاوزات قبل الزواج، غير أن باب التوبة مفتوح، فإن كانت تجاوزات محرمة، فالواجب أن تتوبا جميعًا إلى الله توبة نصوحًا، وقد أمرنا الله تعالى بالتوبة، فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

فمهما كانت ذنوب العبد، ومهما كثرت، فلا يقنط من رحمة الله، وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. وفي الحديث القدسي الصحيح، يقول الله عز وجل: «يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لقيتك بقرابها مغفرة».

ومهما كانت الذنوب، فلا يصح أن تجزم بأن ما وقع بينكما هو عقوبة مباشرة على تلك التجاوزات؛ فهذا من الغيب الذي لم يخبرنا الله به، صحيح أن بعض المصائب قد تكون بسبب الذنوب، لكننا لا نعرف ما هو الذي بسبب الذنوب، وما هو الذي ليس كذلك، وإن كان المطلوب من العبد أن يرجع ذلك إلى ذنوبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ ولأن في نسبة ذلك إلى الابتلاء تزكية للنفس، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هو أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.

ثالثًا: الحب قبل الزواج ليس هو الحياة الزوجية، ومن الأخطاء الشائعة أن يظن الزوجان أن الحب وحده يكفي لاستمرار الزواج؛ لأن الزواج يحتاج إلى صبر، وحسن حوار، وتنازل، ورحمة، وتحمل للمسؤوليات، خاصة بعد مجيء الأطفال، والحب الحقيقي يقذفه الله في قلبي الزوجين بعد كتابة عقد الزواج مباشرة، ولو لم يكونا قد تعارفا، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَععلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فتأمل أن الله لم يقل: "وجعل بينكم حبًّا"، وإنما قال: ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾؛ لأن الرحمة هي التي تحفظ البيوت عندما تضعف العاطفة.

رابعًا: وجود طفلة رضيعة يجعل المرحلة أكثر حساسية؛ فابنتكما التي لم تتجاوز 10 أشهر، وهذه مرحلة يكثر فيها الإرهاق، وقلة النوم، والضغوط النفسية، وقد تمر بعض الزوجات بتقلبات نفسية بعد الولادة، وقد ينعكس ذلك على العلاقة الزوجية؛ ولهذا ينبغي أن يتم البحث عن الأسباب الواقعية للخلاف، لا أن يقال: "لا يوجد سبب"، فغالبًا يوجد سبب، لكنه تراكم حتى أصبح الطرفان لا يميّزان بدايته.

خامسًا: الوصول إلى المحاكم ليس نهاية الطريق، وقد أعجبني أنك ذكرت بأنك حاولت الإصلاح، كما حاولت أن يكون الطلاق -إن وقع- بطريقة ودية، وهذا يدل على أن في نفسك بقية من الحكمة.

الصلح فيه خير كثير، كما قال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، ولذلك، إن لم تستطع أن تصلح ما بينك وبين زوجتك، فحكِّما شخصًا تثقان به، وتصغيان لنصحه؛ فلعل الله أن يجري الخير على يديه، وإلا فحكمًا من أهلك، وحكمًا من أهلها، كما أرشد الله لذلك بقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها ۖ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. ويمكن أن تعرضا قضيتكما على مستشار أسري صاحب خبرة؛ فلست مع التعجل في إنهاء العلاقة الزوجية.

سادسًا: إن استحال الإصلاح، وأصبح استمرار الحياة سببًا للضرر المستمر، فإن الإسلام لم يجعل الطلاق فشلًا، وإنما جعله آخر الحلول، فليكن الفراق بإحسان، كما قال تعالى: ﴿فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فإن حصل الطلاق بينكما، فأحذركما أن تتحول الخصومة بينكما إلى انتقام؛ فإن أكثر من يدفع الثمن في مثل هذه الحالات هم الأبناء، وعليكما أن تتذكرا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.

سابعًا: تساؤلك: هل يريد الله لكما شيئًا أفضل؟
لا أستطيع أن أقول: إن الله يريد لكما البقاء، أو يريد الطلاق؛ لأن هذا من علم الغيب، لكن أستطيع أن أقول بيقين: إذا صدقت مع الله، وأصلحت ما بينك وبينه، وأخذت بالأسباب المشروعة، واستخرت الله تعالى، فإن الله سيختار لك الخير، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.

أخيرًا، دونك بعض النصائح:

أكثرا من الدعاء في أوقات الإجابة، ولا سيما في السجود، وآخر الليل، وسل ربك أن يصلح ما بينك وبين زوجك.

جددا توبتكما، وأكثرا من الاستغفار، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فذلك من أسباب تفريج الهموم، وغفران الذنوب.

أنصحكما كذلك برقية نفسيكما بنفسيكما؛ فالرقية نافعة مما نزل ومما لم ينزل بالعبد، ولا مانع من أن تعرضا نفسيكما على قارئ ثقة أمين.

احرصا على أن يكون بينكما وسيط حكيم يقبله الطرفان.

توقفا عن مناقشة القضايا الحساسة في أوقات الغضب.

إن كان التواصل المباشر مستحيلًا، فليكن عبر وسيط عاقل، أو مستشار أسري.

اجعلا مصلحة ابنتكما فوق أي خلاف شخصي.

وإذا تبين، بعد استنفاد وسائل الإصلاح، أن استمرار الحياة مستحيل، فليكن الفراق بإحسان، امتثالًا لأمر الله، مع حفظ الحقوق، وصيانة الكرامة، والتعاون على تربية ابنتكما.

وفي الختام: أوصيك ألا تجعل الماضي سجنًا لك، ولا تجعل الحاضر يدفعك إلى اليأس؛ فقد يصلح الله بين الزوجين بعد خصومة طويلة، وقد يقدر الفراق، ويجعل فيه الخير للطرفين، لكن المؤمن يوقن أن الخير فيما اختاره الله، وأن السعادة الحقيقية تكون في طاعته، والرضا بقضائه، بعد بذل الأسباب المشروعة.

أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويجمع بينكما على خير، إن كان في الاجتماع خير، وأن يكتب لكما الفراق بإحسان، إن كان هو الأصلح، وأن يحفظ ابنتكما من آثار الخلاف، ويجعلها من الصالحات المصلحات، ونسعد بتواصلك في حال استجد أي جديد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً