الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أحسن الظن بالله وأطرد المخاوف التي شلت نشاطي الدراسي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب في المرحلة الجامعية، وأعاني مؤخرًا من وساوس قهرية، ومخاوف شديدة شلّت حركتي عن الدراسة، وعكّرت صفو حياتي، وأريد منكم توجيهًا يربط بين التأصيل الشرعي، والتقويم النفسي لحالتي.

مشكلتي تكمن في عدم قدرتي على فهم وتطبيق مفهومي «حسن الظن بالله» و«التوكل» وسط مخاوف المستقبل، فعندما أحاول إحسان الظن بالله، وأدير في عقلي فكرة أن الله سيعطيني ما أريد -كالتخرج والنجاح- يهاجمني فورًا هاجس وخوف شديد: ماذا لو لم أحصل عليه؟ ماذا لو حدثت مصيبة مفاجئة أو عائق منعني؟ وشعور أن تعبي ودراستي قد يذهبان هباءً يؤلمني ويخيفني ويشل حركتي.

وما زاد الطين بلة، وأشعل الخوف في قلبي، أنني شاهدت مقطعًا لشاب مشهور -توفاه الله- كان يتحدث بيقين كبير عن التوكل على الله، وكيف أن التوكل يصنع المستحيلات ويحقق الأمنيات، ولكن هذا الشاب نفسه مات فجأة في شبابه إثر حادث سيارة، ولم يكمل مسيرته.

وهناك أمثلة كثيرة مشابهة لأشخاص صالحين ماتوا فجأة بنوبات قلبية، أو حوادث قبل تحقيق طموحاتهم، ولا أدري هل كان هذا عقابًا من الله لهم؛ لأنهم قد يكونون غارقين في المعاصي، أو أن ذلك كان خيرًا لهم.

هذه الأمور أحدثت عندي صدمةً وفجوةً في الفهم، وأصبحت خائفًا جدًّا، فكيف أتوكل وأحسن الظن بالله، وأنا أرى الموت المفاجئ والمصائب تخطف الناس وتمنعهم من أهدافهم؟ وهل التوكل وحسن الظن بالله يضمنان لي شرعًا تحقيق عين ما أريد، ونفس أمنيتي بالتحديد في الدنيا؟

الأمر أوسع من ذلك، فعندي خوف من المصائب والابتلاءات بشكل عام، لكن خوفي يكون بالأخص في التعليم؛ لأنني في هذه المرحلة، وتفكيري منصب عليه، فكيف أصل إلى الطمأنينة واليقين، بينما تحيط بي هذه المخاوف من كل جانب؟

أرجو أن أكون قد أوضحت سؤالي، وأن تجيبوني عليه بتفصيل، دون إحالتي إلى استشارات أخرى؛ لأن الأمر يقلقني كثيرًا، بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد اللطيف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويصرف عنك الوساوس والمخاوف، ويرزقك قلبًا مطمئنًا، ونفسًا ساكنة، ويوفقك في دراستك، ويكتب لك الخير حيث كان، ثم يرضيك به.

قرأنا رسالتك بتأنٍّ، وفهمنا موضع الإشكال الذي أتعبك؛ فأنت لا تخاف من الدراسة نفسها بقدر ما تخاف أن تبذل جهدك، ثم يقع شيء غير متوقع يمنعك من الوصول إلى النتيجة، فتحاول مقاومة هذا الخوف بإقناع نفسك بأن الله سيحقق لك ما تريد، ثم يأتيك الوسواس باحتمالات الموت والمصائب، فتعود إلى القلق والشلل.

لذا أول ما ينبغي تصحيحه: أن تعلم أن حسن الظن بالله والتوكل عليه لا يعنيان أن يوقن الإنسان بأن الله سيعطيه عين ما يريد في الدنيا، ولا أن المصائب لن تقع له، ولا أنه سيعيش حتى يتم كل مشاريعه، فهذا ضمان لم يعد الله به أحدًا، ولو كان التوكل يمنع المرض والحوادث والموت، لكان الأنبياء والصالحون أولى الناس بذلك، وقد ابتلوا ومرضوا وماتوا، ولم يكن ذلك دليلًا على ضعف توكلهم أو سوء منزلتهم عند الله، إنما يفعل الله ما يريد، ولا يفعل شيئًا إلا بحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها.

حسن الظن بالله -أخي الكريم- أن توقن أن الله رحيم بك، حكيم في تدبيره، لا يقدر شيئًا عبثًا، ولا يظلمك، وأن ما يختاره لك خير مما تختاره لنفسك، وإن لم تر وجه الخير في لحظته، وقد يكون الخير في إعطائك ما طلبت، وقد يكون في تأخيره، وقد يكون في صرفه وتعويضك بما هو أصلح منه، وقد يكون في أن يرفعك بالصبر على فقده.

فلا تقل: "أحسن الظن بالله، ولذلك لا بد أن أتخرج في الوقت الذي أريده، أو لا بد ألَّا تصيبني مصيبة، ولكن قل: أحسن الظن بالله، ولذلك سأدرس وأبذل وأسعى، وأرجو أن يوفقني الله إلى التخرج، ثم أثِق أنه إن قدر أمرًا آخر فلن يكون خارج علمه وحكمته ورحمته، وسأجدُ عنده من العون والأجر والعوض ما لا أراه الآن".

هذا هو الفرق بين حسن الظن بالله وحسن الظن بتصوراتنا نحن عن المستقبل، فحسن الظن بالله عبادة، أمَّا الإصرار على أن الخير لا يكون إلا في الصورة التي رسمناها، فليس توكلًا، بل تعلق بصورة محددة من صور القدر، وهذا خطأ، فقد قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، فرب أمر تمنيناه، ورأيناه يومئذ الخير كله، ثم مرت الأعوام فاكتشفنا أن الخير كان في صرفه، ورب أمر بكينا عند وقوعه، ثم عرفنا بعد زمن أنه أعاد ترتيب حياتنا على صورة أصلح، ونحن نحكم بما نراه في اللحظة، أما الله سبحانه فيعلم أول الطريق وآخره، وما ظهر منه وما خفي.

وأمَّا التوكل، فليس وسيلة لصناعة المستحيلات أو إلزام القدر بتحقيق الأمنيات، وإنما هو اعتماد القلب على الله مع فعل السبب المشروع، ثم تفويض النتيجة إليه، فالطالب المتوكل يذاكر، وينظم وقته، ويطلب المساعدة، ويدعو الله، لكنه لا يشترط على ربه صورة بعينها للنتيجة، وقد قال النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ».

فتأمَّل كيف جمع هذا الحديث بين أربعة أمور: الحرص والعمل، والاستعانة بالله، وترك العجز، ثم التسليم إذا جاءت النتيجة على خلاف المراد، فلم يجعل التوكل ضمانًا لعدم وقوع المكروه، وإنما جعله قوة على العمل قبل وقوع القدر، وسكينة عند وقوعه.

وأمَّا الشاب الذي شاهدته وتوفي فجأة، فلا يجوز أن تجعل موته دليلًا على فشل توكله، ولا أن تظن أن موته عقوبة بسبب معاصٍ خفية، فنحن لا نعلم خاتمته عند الله، ولا نعلم الحكمة من أجله، والموت ليس في ذاته عقوبة، فقد مات الأنبياء والصالحون في أعمار وأحوال مختلفة، ورب إنسان كان الموت خيرًا له ورحمة به ورفعة في درجاته.

كما أن اكتمال حياة الإنسان لا يقاس بإكمال جميع خططه، فقد يموت المرء قبل تمام مشروعه، ويكتب الله له أجر نيته وسعيه، وقد يعيش آخر طويلًا ولا يبارك له في عمره، فالنجاح الحقيقي ليس أن تضمن بلوغ كل أمنية، وإنما أن تكون في كل مرحلة قائمًا بما أمرك الله به.

وهنا نصل إلى الجانب النفسي من حالتك؛ فالوسواس القهري يطلب منك يقينًا كاملًا بشأن المستقبل: هل سأتخرج حتمًا؟ هل سأبقى حيًّا؟ هل ستقع مصيبة؟ ثم يدفعك إلى تحليل الاحتمالات، ومشاهدة القصص، والبحث عن إجابات تطمئنك، فتحصل على راحة قصيرة، ثم يعود بسؤال جديد.

وعلاج هذه الدائرة ليس أن تقدم لنفسك ضمانات أكبر؛ لأنك مهما وجدت جوابًا سيقول الوسواس: وماذا لو حدث العكس؟ لذا فالتعامل الصحيح أن تقول لنفسك: نعم، المستقبل غيب، ولا أملك ضمانه، لكن واجبي اليوم معلوم، وهو أن أدرس وأتوكل على الله، ولن أؤجل عملي حتى أحصل على يقين يستحيل وجوده في الدنيا.

ثم عد إلى كتابك، ولا تدخل في مناظرة طويلة مع الوسواس، فوجود احتمال لا يعني أن تعيش كأنه قد وقع، كما أن عدم ضمان النتيجة لا يجعل العمل عبثًا، فأنت لا تدرس لأنك تملك عَقدًا يضمن لك الغد، وإنما تدرس لأن الدراسة سببٌ مشروع وواجبٌ حاضر، والله لا يضيع صدق سعيك، وإن جاءت ثمرة السعي في صورة غير التي توقعتها.

وننصحك عمليًّا بما يلي:
• أولًا: توقف عن مشاهدة المقاطع والقصص التي تتعمد اختبار طمأنينتك بها، ولا تبحث عن حوادث الموت المفاجئ أو قصص من تعطلت حياتهم؛ فإن ذلك أصبح عندك وقودًا للوسواس، لا طلبًا نافعًا للمعرفة.

• ثانيًا: عندما تأتيك فكرة الوسواس تلك فلا تحاول نفيها، بل قل بهدوء: هذا احتمال غيبي لا يلزمني حله الآن، وواجبي أن أدرس اليوم، ثم ابدأ في مهمة صغيرة محددة.

• ثالثًا: قسم الدراسة إلى فترات قصيرة، كخمس وعشرين دقيقة، ثم استراحة يسيرة، واجعل هدفك أداء الوقت لا ضمان النتيجة، فالوسواس يشغلك بنهاية الطريق حتى يمنعك من الخطوة الأولى.

• رابعًا: لا تجعل الطمأنينة شرطًا لبدء الدراسة، ادرس مع وجود القلق، وستتعلم تدريجيًّا أن القلق شعور يمكن احتماله، وليس أمرًا يجب أن يزول قبل الحركة.

• خامسًا: لا تكثر من سؤال نفسك والآخرين عن المعنى الصحيح للتوكل كلما ارتفع القلق، فقد يتحول طلب الإجابات الشرعية نفسه إلى طقس وسواسي لطلب الاطمئنان، خذ الأصل الصحيح مرة، ثم اعمل به، ولا تعد إلى محاكمته كل ساعة.

• سادسًا: حافظ على الصلاة والأذكار وورد معتدل من القرآن، واجعلها عبادة وقربًا من الله، لا اختبارات متكررة للتأكد من أن المصائب لن تقع.

وخلاصة الأمر أن التوكل لا يقول لك: لن تقع مصيبة، وإنما يقول: "لن أعيش مشلولًا خوفًا من مصيبة لم تقع، وسأقوم بما أستطيع، فإن جاءني ما أحب حمدت الله، وإن جاءني ما أكره استعنت به وصبرت، وعلمت أنني لم أخرج لحظة واحدة عن علمه ورحمته وتدبيره".

فلا تطلب من الإيمان أن يكشف لك الغيب، وإنما اطلب منه أن يمنحك القوة للسير، ولا تنتظر أن تطمئن إلى جميع تفاصيل المستقبل، بل يكفيك أن تؤمن بمالك كل شيء.

نسأل الله أن يشفيك من الوسواس، وأن يسكن خوفك، ويجمع قلبك على طاعته، ويبارك في دراستك ووقتك، ويرزقك النجاح والتخرج، ويقدر لك الخير حيث كان، ثم يرضيك به، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً