الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما نصيحتكم للتعامل مع الوساوس في أمور الدين؟

السؤال

السلام عليكم

ما نصيحتكم للتعامل مع الوساوس في أمور الدين؟ أسأل الله أن يشفيني وأن يجعلكم سببًا في ذلك.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكَ في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكَ تواصلكَ بالموقعِ، ونسأل الله تعالى أن يشفيكَ، ويعجل لكَ بالعافيةِ من هذه الوساوسِ. ونشكر لكَ حسن تناولكَ للسؤالِ؛ فسؤالكَ يدل على تمتعكَ بقدرٍ كبيرٍ من الحكمِ، ومعرفةِ كيفَ تتناول الأمور.

ونسأل الله تعالى أن يجعل ذلكَ عونًا لكَ على الأخذِ بالأساليبِ التي تنجيكَ -بإذن الله تعالى- من هذا الشرِّ المستطيرِ؛ فالوسوسة داءٌ عظيمٌ يوقع صاحبه في أنواعٍ من المشقةِ، والضيقِ، والحرجِ. ولكن الله تعالى -بلطفهِ ورحمتهِ- قدر أسبابًا لدفعِ هذا القدرِ المكروهِ؛ فالوسوسة نوعٌ من الأمراضِ، وقد قال الرسولُ ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شَفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»، ثم قالَ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ».

فنصيحتنا -أيها الحبيبُ- هي أن تأخذَ بالأساليبِ التي شرعها الله تعالى لدفعِ هذا المرضِ، وهذه الأساليبُ قسمانِ:

- القسم الأول: أسبابٌ حسيةٌ ماديةٌ، وذلكَ بأن تستعينَ بالأطباءِ الماهرينَ؛ فإنهم سيصفون لكَ -بإذن الله تعالى- من أنواعِ الأدويةِ والتمريناتِ ما يكون عونًا لكَ على تصحيحِ مزاجِ الجسدِ، وإعادتهِ إلى حالةِ اعتدالهِ.

- أمَّا القسم الثاني من الأسبابِ: فهي الأسبابُ الشرعيةُ والروحيةُ المعنويةُ، وهذه الأسبابُ قد لخصها النبيُّ ﷺ في عباراتٍ مختصرةٍ وجيزةٍ، وهذا من رحمتهِ -عليه الصلاة والسلامُ- وعظيمِ لطفهِ وبرهِ، وحسنِ تعليمهِ؛ فقد حصلت هذه الوساوس لأناسٍ في زمانهِ ﷺ، فجاؤوا يشتكونَ إليهِ ما يجدونهُ في صدورهم، فوصفَ -عليه الصلاة والسلامُ- الدواءَ النافعَ الذي يقلع هذه الوساوس من جذورها.

فنحن نوصيكَ بأن تستمعَ جيدًا لهذه الوصايا، وأن تُجاهدَ نفسكَ على الأخذِ بها، وستجد نفسكَ -بإذن الله تعالى- تتخلص من هذه الوساوس شيئًا فشيئًا:

• أول هذه النصائحِ: اللجوءُ إلى الله تعالى والاحتماء بهِ سبحانهُ من شرِّ هذه الوسوسةِ، وذلكَ بأن تستعيذَ بالله تعالى من الشيطانِ الرجيمِ فورَ مداهمةِ هذه الوساوسِ لكَ؛ فالله تعالى على كلِّ شيءٍ قديرٌ، يقدر على حمايتكَ منها وصرفها عنكَ، فاللجوء إليهِ -سبحانه وتعالى- والاعتصام بهِ التجاءٌ إلى ركنٍ متينٍ، والشيطان عدوٌّ يراكَ وأنتَ لا تراهُ، فاستعن بالله تعالى الذي يرى الشيطانَ ويعلم مكرهُ وخضعهُ؛ لهذا كانت أولى الوصايا النبويةِ لمن أصيبَ بالوساوسِ قوله ﷺ: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ».

• والوصية الثانية: قوله ﷺ: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَلْيَنْتَهِ»، والانتهاء معناه الانصرافُ الكاملُ التامُّ عن هذه الوساوسِ، بأن تشغلَ نفسك بطلبٍ آخرَ غير هذه الوساوسِ؛ وطبيعةُ الإنسانِ أنهُ لا يقدر على التفكيرِ في شيئينِ في نفسِ الوقتِ، فقد قال الله في كتابهِ: {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}.

فجاهد نفسك، وحاول أن تُفكِّرَ في أيِّ شيءٍ آخرَ غيرِ موضوعِ الوسوسةِ، أيّ شيءٍ من أمورِ الدينِ أو من أمورِ الدنيا، فإذا تعودتَ هذا وصبرتَ عليهِ، فإنك ستتخلص من هذه الوساوسِ عن قريبٍ -بإذن اللهِ-، وهذا الانتهاءُ عن التفاعلِ مع الوسوسةِ هو الدواءُ القالعُ لها في الحقيقةِ؛ فأعظم أدويتها هو الإعراضُ عنها، وتجاهلها، وتحقيرها.

وممَّا يعينكَ على هذا التحقيرِ لهذه الوساوسِ وعدمِ الاشتغالِ بها أن تُدركَ أنها من الشيطانِ، وأن الله تعالى يكره منكَ أن تشتغلَ بها، فمهما حاول الشيطان أن يزينها لكَ بصورةِ الورعِ والخوفِ على الدينِ ونحوِ ذلكَ، لا تبالِ بهذه الوساوسِ؛ فالله تعالى لا يحبُّ أبدًا أن تمشيَ في هذا الطريقِ، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}؛ فهي إذًا أفكارٌ شيطانيةٌ محتقرةٌ لا ينبغي لكَ أبدًا أن تُعطيها قيمةً، فحاول أن تتجاهلها، واستمر على هذا التجاهلِ حتى يُخلِّصكَ الله تعالى منها.

• الوصية الثالثة: الإكثارُ من ذكرِ الله تعالى؛ فذكرُ الله تعالى حصنٌ حصينٌ يتحصَّن بهِ الإنسان من الشيطانِ.

• ويزيد العلماء وصيةً رابعةً، وهي: استشعارُ الفرحِ حينما تُداهمكَ هذه الأفكارُ؛ لأن الشيطان يحرص على أن يجعلكَ تعيش في حالةٍ من الغمِّ والحزنِ، فإذا استشعرتَ الفرحَ، فإن الشيطان يغتمّ لذلكَ ويحزن، ويوفقكَ إلى غيركَ، والذي يبعثكَ على هذا الفرحِ أن تدركَ أن كراهتكَ لهذه الوساوسِ دليلٌ على وجودِ الإيمانِ في قلبكَ، كما نطقَ بذلكَ الرسولُ الكريمُ ﷺ.

نسأل الله تعالى أن يمنَّ عليكَ بعاجلِ العافيةِ والشفاءِ.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً