الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يأتيني وسواس قهري في النية كلما أردت الصلاة، فكيف أتخلص منه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سؤالي هو عن مشكلتي مع النية، والتكبير، واستحضار النية، ومبطلاتها، فلا أدري ما معنى النية، وكيفية استحضارها، وما الأمور التي تبطلها.

لدي أزمة شديدة تؤثر على حياتي كلها، وهي موضوع النية، فأنا لا أعرف كيف أنوي، وسأحكي لكم ما يحصل معي:

عند وقوفي على سجادة الصلاة، أقف وأنوي أنني سأصلي صلاة الظهر، لكن عندما أنوي صلاة الظهر فقط، يأتيني وسواس بأن هذا ليس ظهر اليوم، أو أنني لم أحدد أنه ظهر اليوم، أو أنني لم أحدد أنه فرض، ولا أعرف: هل يجب أن أنوي أنه ظهر اليوم؟ وإذا نويت أنه ظهر اليوم، فهل يجب أن أنوي أنه فرض أو أداء؟ ولا أعرف أيضًا، فأخاف أن تختلط عليّ بصلاة فجر سابقة، أو ظهر سابق عليّ منذ سنوات مثلًا لا أتذكره.

كذلك، عندما قرأت قول الحنفية بأن النية يبطلها الكلام والأصوات والنحنحة من غير عذر، ازداد خوفي، علمًا بأنني أبحث عن الصواب، ولست أتبع مذهبًا معينًا.

لقد سبب لي هذا الأمر أزمة ووسواسًا قهريًا؛ حيث إنني أعاني من وسواس قهري مرضي ديني، وآخذ له علاجًا عند الطبيبة النفسية، وعندما أنوي، أقف على سجادة الصلاة وأكرر النية مرات كثيرة؛ لأنني أشعر أنها لا تكفي مرة واحدة، وعندما أرفع يدي للتكبير، أعود وأنوي مرة أخرى، وأكرر النية مرارًا وتكرارًا، ولا أعرف ما المطلوب مني بالضبط!

كما قلت لكم، أخاف أن أنوي شيئًا ويكون مثلًا ظهرًا أو عصرًا سابقًا، أو أن يختلط عليّ الفرض مع فرض الفجر أو مع سنة الفجر؛ لأن هذه ركعتان وهذه ركعتان.

وأيضًا عندما أنوي ويخرج مني صوت من فمي، كنحنحة أو كحة أو غير ذلك، أو عدلت ثيابي، أو استدبرت القبلة، أشعر وكأن النية بطلت، فأرجع وأنوي مرة أخرى، وهذا الأمر يقلقني كثيرًا.

وعندما أكبر، أشعر أحيانًا أن نفسي انقطع، فأخاف أن أتنفس حتى لا تخرج مني أصوات، فأقطع الصلاة وأعيدها مرارًا وتكرارًا بهذا الشكل الصعب.

قال لي أحد العلماء الأجلاء: قفي على سجادة الصلاة وكبّري مباشرة، لكنني لا أدري هل هذا صحيح؟ وهل يجب عليّ أن أعرف ما سأصلي؟ وأريد أن أعرف نواقض النية.

ولو كنت سأقضي فرضًا، فكيف أنويه؟ هل أنوي أنه ظهر فقط؟ أريد حلًّا عمليًا أطبقه، فقد تعبت جدًّا من هذا الموضوع، ولا أستطيع أن أصلي غير الفرض إلَّا بصعوبة، وحتى إذا صليته يكون غالبًا خارج الوقت، فهل يجب أن أقول في داخلي: سأصلي العصر، أم أكبر مباشرة؟

أرجو منكم الإجابة بالتفصيل حتى أفهم، وأرجو أن تساعدوني؛ لأن هذا الموضوع يُسبِّب لي أزمة كبيرة، وأريد علاجًا سلوكيًا معرفيًا أطبقه، يكون متوافقًا مع أحكام الدين الإسلامي.

أرجو منكم الرد بالتفصيل.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Esraa حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أرحب بك في استشارات إسلام ويب، وسأجيبك على سؤالك من المنظور النفسي، وسيقوم الشيخ الدكتور أحمد سعيد الفودعي -حفظه الله- بالإجابة على استشارتك هذه من المنظور الشرعي والسلوكي النفسي.

أيتها الفاضلة الكريمة، من أكبر الإشكالات حول الوساوس القهرية، هو أن يحاور الإنسان الوسواس، أو يتماشى مع الحوار الذي يفرضه الوسواس عليه، وهذه أكبر مشكلة، فمن الواضح أنك تبحثين نحو الأدلة الشرعية، وتخضعين هذا الوسواس للمنطق، وهذا يزيد من الوسواس.

أولًا: علاج الوسواس من خلال تمرين التحقير والتجاهل:
الوسواس يجب أن يُحقَّر، ويجب أن يتم تجاهله في بداياته، حين تأتي الفكرة، أو مجرد تلميحات للفكرة، تقولي: "أنت فكرة وسواسية حقيرة، أنت تحت قدمي، أنا لن أهتم بك أبدًا"، وهذا من أفضل العلاجات السلوكية.

اجلسي مثلًا داخل الغرفة، وفي هدوء تام، تصوري أنك تريدين الصلاة، وأنت الآن في مرحلة عقد النية، وفجأةً أتتك الوساوس، أو استجلبت هذه الوساوس، بعد ذلك فجأةً خاطبي هذه الوساوس قائلةً: "أنت فكرة حقيرة، أنا لن أهتم بك، أنا صلاتي صحيحة"، وهكذا، وتبدأين في الصلاة.

ومهما كانت استحواذية الوسواس ومحاولة سيطرته، إرادة الإنسان أقوى، ولا شك في ذلك.

لكن نحن نعرف أن الوسواس يثير الفضول عند الناس، ممَّا يجعلهم يتماشون معه، يُحلِّلونه، يحاولون أن يخضعوه للمنطق، ويسعون ويبحثون عن الفتاوى هنا وهناك، وهذا قطعًا يعقد الوسواس.

فإذًا مهما كان الإلحاح من الوسواس، يجب أن يكون هناك تجاهلاً وتحقيرًا، هذا هو العلاج السلوكي الرئيسي.

ثانيًا: علاج الوسواس من خلال تمرين يسمى بصرف الانتباه:
وأنت جالسة داخل الغرفة، وفي هدوء تام أيضًا، استجلبي هذا الوسواس حول النية مثلاً، ثم فجأةً انتقلي إلى فكرة أخرى مخالفة، فكرة جميلة، فكرة محببة إلى نفسك، مثل يوم تخرجك من الجامعة، يوم زواجك إن شاء الله تعالى، استحدثي هذه الأفكار الجميلة، واجعليها لتصرف انتباهك عن الوسواس، هذا هو التمرين الثاني.

ثالثًا: علاج الوسواس من خلال تمرين يسمى بالتنفير.
التمرين الثالث نسميه التنفير، وهو تمرين مهم جدًّا، ولتطبيق هذا التمرين:
وأنت جالسة بهدوء داخل الغرفة، بعد أن تنتهي من تمرين التحقير وتمرين صرف الانتباه، ثم تنتقلي إلى هذا التمرين وهو التنفير، استجلبي هذه الفكرة الوسواسية، وفجأةً انظري أمامك كأنك تنظرين في الأفق لتشاهدي طائرة تحترق، هذا منظر بشع جدًّا، حاولي أن تركزي على هذا الحدث؛ لينفِّر الوسواس.

أو مثلًا قومي بالضرب على يدك بقوة وشدة على سطح الطاولة، والهدف من هذه الضربة الشديدة هو أن تحسي بالألم، وأن تربطي هذا الألم مع الفكرة الوسواسية.

كرري هذا التمرين 20 مرة متتالية بمعدل مرة إلى مرتين في اليوم لمدة أسبوعين، لو طبقت هذه التمارين بهذه الكيفية التي ذكرتها لك، سوف تُهشِّش هذه الوساوس وستزول عنك إن شاء الله، مع تناول العلاج الدوائي طبعًا.

هنالك أيضًا تمرين تطبيقي عملي مهم جدًّا، فمن التمارين الجميلة جدًّا أن تصلي مع أهل بيتك، كوالدتك أو أختك، وتقتدي بها في الصلاة، وتستحضري أنها تنوب عنك في متابعة الحركات؛ من قيام وركوع وسجود وقراءة.

وحين تريدين الصلاة بمفردك، يمكنك أن تفتحي كاميرا الهاتف، وتضعيه أمامك لتصوير الصلاة كاملة من بدايتها؛ فتُكبِّرين تكبيرة الإحرام، ثم تصلين، سواء كانت الصلاة فريضة كالظهر أو العصر، أو كانت نافلة. وبعد ذلك راجعي الفيديو الذي قمتِ بتصويره، وستجدين -بإذن الله- أن صلاتك كانت صحيحة.

وطبعًا قد تسألين عن موضوع النية، فنقول: إن النية أيضًا صحيحة بإذن الله.

هذا التمرين مهم جدًّا، وقد استفاد منه كثير من الناس؛ لأن الوساوس غالبًا ما تكون بعيدة عن الحقيقة، وتأتي للإنسان بصورة مبالغ فيها، وكأنها أمرٌ كبيرٌ ومضخَّم، لكن عندما تراجعين تسجيل الفيديو، ستجدين أن صلاتك كانت صحيحة، وهذا يساعدك على إدراك أن ما يأتيك من وساوس لا يعبِّر عن الواقع.

طبعًا العلاج الدوائي مهم جدًّا جدًّا، والحمد لله أن هناك أدوية فعَّالة وممتازة في علاج هذه الحالات، فلا تحرمي نفسك من الاستفادة منها، وأفضِّل أن تراجعي طبيبًا أو طبيبة نفسية، وأثق أن الطبيب سيقدِّر حالتك، وينصحك بالعلاج المناسب؛ الدواء ضروري وضروري جدًّا في مثل هذه الحالات.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب.

أولًا، نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أن يعجل لك بالعافية والشفاء من هذه الوساوس، وأن يصرف شرها عنك.

ثانيًا: نحن ندرك -أيتها البنت الكريمة- مدى المعاناة التي تعيشينها بسبب هذه الوسوسة، ولكن التخلُّص منها سهل يسير، وقد أحسنت حين طلبت الدواء لدى الطبيب النفسي، فهذا من جملة الأسباب التي شرعها الله تعالى لدفع هذا المكروه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً».

والوسوسة نوع من الأمراض التي قد تصيب الإنسان، فمطلوب منه أن يتداوى بالأدوية الحسِّية المادية، والأدوية المعنوية الروحية، فقد أحسنت في أخذ السبب الأول، وهو الدواء المادي الحسِّي، وبقي أن تأخذي بالسبب الثاني، وهو الدواء الشرعي الروحي المعنوي.

والدواء لهذا العناء الذي أنت فيه سهل يسير، ولكنه محتاج إلى شيء من الصبر والثبات على ما أرشد إليه النبي ﷺ، وذلك بإهمال هذه الوساوس، وعدم الاهتمام بها، فتحقير هذه الأفكار هو القالع لها بإذن الله تعالى، فالشيطان يحاول أن يوهمك بأن هذا من الاعتناء بالدين، ومن الاهتمام بالصلاة، ونحو ذلك من الأفكار التي من شأنها أن تُعزِّز وتُقوِّي وجود هذه الوساوس، والمطلوب منك عكس هذا تمامًا، احتقار هذه الفكرة وإهمالها، وعدم الاعتناء بها.

والذي يشجعك على ذلك ويدفعك إليه، أن تعلمي بأن الله -سبحانه وتعالى- يحب منك الإعراض الكامل عن هذه الأفكار وعدم الاعتناء بها، وموضوع النية أمره سهل يسير جدًّا، لا يحتاج إلى كل هذا العناء الذي تعيشينه بسبب النية، فالنية معناها: قصد القلب، أن يقصد القلب فعل الشيء، وهذا لا يمكن أن يغيب عن الإنسان، فلا يمكن للإنسان أن يفعل شيئًا بلا قصد.

إذا فهمت هذا علمت أنه لا حاجة إلى كل هذا العناء الذي تعيشينه، فأنت عندما تقومين لصلاة الظهر مثلًا، قد خطر في قلبك أن هذه الصلاة التي ستصلينها هي صلاة الظهر لهذا اليوم، فهذه هي النية، ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من ذلك، فإذا صليت بهذه الطريقة، كما أرشدك العلماء، أنك إذا وقفت على سجادة الصلاة كبّري مباشرةً، دون التفكُّر في أي شيء آخر، فإذا فعلت ذلك، فصلاتك صحيحة، وقد نويتِ، فلا تترددي أبدًا في أنك لم تنوي، النية معناها: علم القلب وقصد القلب للشيء الذي سيفعله.

بل الأمر أوضح من ذلك، حينما يقول العلماء: لا يمكن للإنسان أن يفعل شيئًا بلا نية، يعني لو كلَّفناك أن تصلي بلا نية، لكان هذا التكليف تكليفًا شاقًّا جدًّا، وغير داخل في قُدرتك، فلا يمكن أن تصلي بلا نية.

إذا فهمت هذا علمت أن صلاتك كلها تحصل بنية، فادفعي عن نفسك هذه الوساوس، وافعلي بما أرشدك إليه العلماء، من أنك إذا جئت إلى الصلاة كبّري مباشرةً.

أمَّا التردد والخوف من أن يخرج نفس فيقطع الصلاة، أو يقطع النية، فهذه أيضًا وساوس لا حقيقة لها، فالصلاة لا تبطل بمثل هذا.

الحل والعلاج لِمَا أنت فيه -أيتها البنت العزيزة- هو أن تعرضي تمامًا عن هذه الأفكار، وتعلمي أن الله تعالى يقبل منك العبادة بالطريقة التي وصفناها لك، فاثبتي على هذا واصبري عليه، فإذا فعلت ذلك، فإنك ستتخلصين من هذه الوساوس شيئًا فشيئًا بإذن الله تعالى.

نسأل الله تعالى لك عاجل العافية والشفاء.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً