الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما فائدة التمتع بهواياتي الدنيوية إذا كنت لن أستفيد منها بعد الموت؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ما هي الحياة؟ بما أن الحياة الدنيا حياة عابرة، فكيف يأتيني الشغف لتعلّم اللغات أو ممارسة هواية مثل الخياطة أو الرسم، أو غير ذلك من الأمور الدنيوية، وأنا أعلم أنني لن أستفيد منها بعد الموت؟ فهي في النهاية أمور دنيوية فقط.

كيف يأتي الشغف لفعل هذه الأشياء؟ وما حدود الاستمتاع بالحياة؟ وكيف يمكننا التوفيق بين أمور الدنيا وعبادة الله؟ وما العبادات التي ينبغي على كل مسلم أن يحرص عليها في يومه، وألا يغفل عنها، حتى يكون قد قدّم في يومه شيئاً لآخرته، ولا يشعر بالتقصير أو بأنه لا يفعل شيئاً نافعاً لدينه؟

وشكراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مروة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

من مزايا الإسلام الكبيرة أنه دين واقعي، فجعل عبادتنا له ليست منفصلة عن واقع الحياة التي نعيشها؛ ولم يأمرنا أن نكون في عزلة تامة عن معايشنا ومصالحنا الدنيوية، ولكنه سبحانه رتب لنا الأوليات، وبين لنا الغايات، وجعل الدنيا في أدناها، والآخرة في أعلاها، ولم يجعل الآخرة نقيضاً للأولى، بل جعل الأولى مزرعة للآخرة، وزاد على ذلك بأن حبب لنا أن نكون أقوياء في الدنيا، مالياً ونفسياً وجسمياً، فاستعاذ نبينا من كل أسباب الضعف من: " الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال".

كل ذلك لتعزيز تلك القوة التي تعيننا على أداء حق الله، فكان: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، وكانت: " اليد العليا خير من اليد السفلى"، فحارب كل أسباب الفقر، بالحث على العمل والعون للضعيف والمسكين والفقير، والصدقة والزكاة والوقف، وأغلق أبواب الاحتيال والغش، وأكل أموال الناس بالباطل، وشدد في الظلم أكبر تشديد، وكل ذلك في سبيل جعل حياة المسلم حياة سليمة جيدة متعافية، يستطيع من خلالها أن يعبد الله ويقيم حقه، وأمره لأجل ذلك أن يدعوه ربه: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم أصلح لي آخرتي التي إليها معادي، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي).

أما تعلم اللغات، أو أي شيء من المهارات "وكونها من أمور الدنيا وأي شغف في ذلك؟"
فأصل السؤال قد بني على الفصل الحاد بين الدنيا والدين، لا على مبدأ أن كل أمر من أمور الدنيا يتحول إلى أمر من أمور الآخرة إذا اقترن بنية صالحة، حتى النوم ينوي به العبد التقوي على العبادة، فيكون نومه عبادة، والطعام والشراب كذلك، أما تعلم المهارات فهو طريق الكسب، والمال من أكبر أبواب الآخرة، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح).

أما حدود الاستمتاع في الدنيا، فنستطيع أن نقول إنه كل استمتاع لم يوقع في معصية، أو يوصل إليها، أو يلهي عن طاعة، فالأكل والشرب متعة، والله عز وجل قال: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)، وهذا هو حد العامة من الناس، أما الخاصة وأصحاب المقامات العالية ومن تعقد عليهم الآمال، فإن التقلل من الانغماس في متع الحياة الدنيا أولى بهم وأفضل، وإن كان ذلك جائزاً.

ومدار الأمر هو التقوى، والحفاظ على سلامة قلوبنا من الانغماس في الدنيا، والتشاغل عن الآخرة؛ وقد تجدي ثرياً منعماً، وهو قريب من الله، موصول به، زاهد بالدنيا رغم امتلاكه لها، وتجدي في المقابل فقيراً معدماً، والدنيا ملء قلبه ينام عليها ويستيقظ عليها، فيجعل الله فقره بين عينيه كما جاء في الحديث، ويكون الأول زاهداً رغم غناه، والثاني منغمساً بها رغم فقره!

وأما ما هي العبادات التي على كل مسلم فعلها فإنما هي الفرائض؛ وقد جاء في الحديث القدسي:" وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه"، وعليكِ الاهتمام بحقيقة العبادات لا بصورتها، والحرص على تحقيق غاياتها، وغاية العبادات هي تحقيق التقوى الذي ينال به رضى الله؛ فإن لم تجرك عباداتك إلى تعظيم الله في قلبك، وظهور التقوى في سلوكك، فراجعي نيتك.

فأعظم العبادات تتحول إلى أمر لا قيمة له عند الله إن اقتصرت على صورتها دون حقيقتها، فالصلاة التي هي الركن الأعظم للدين بعد الشهادتين، تلف وترمى في وجه صاحبها إن لم تؤد على الوجه الذي يرضاه الله، والصيام العبادة الأثيرة عند الله، والتي اختص بالمجازاة عليها بما يقدره ويختاره سبحانه وتعالى؛ ليس لله حاجة بها عندما لا يترك الصائم قول الزور والعمل به.. وهكذا.

أسأل الله أن يسددك لكل خير، ويفتح لك أبواب العمل ويصرف عنك أبواب الجدل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً