الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل ما أعانيه من صداع شديد وألم في الأكتاف، سببه المس؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا ملتزمةٌ بصلاتي وأذكاري اليومية -الحمد لله-، ولكنني دائماً أشعر بصداعٍ شديدٍ، وسخونةٍ شديدةٍ داخل رأسي، وألمٍ في أكتافي، ولا أستطيع النوم، كما أنني أشعر بثِقَلٍ في العبادة، ولكنني أحاول الحفاظ على أورادي وصلاتي.

ذهبتُ لراقيةٍ فقالت: إن هذا مسٌّ شيطاني، فهل المسُّ يمكن حدوثه مع الالتزام بالصلاة والأذكار وقراءة سورة البقرة يومياً؟ ولو كان موجوداً فعلاً، فكيف التخلص منه؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نورا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله تعالى أن يمنَّ عليكِ بالشفاء والعافية، وأن يشرح صدركِ، ويذهب عنكِ ما تجدين، وأن يثبتكِ على طاعته.

إن من أعظم نعم الله عليكِ محافظتكِ على الصلاة، والأذكار، وقراءة القرآن، وذلك من أقوى أسباب الثبات والحفظ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، ومن أسباب تحصيل الطمأنينة، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، وما ذكرتِ في استشارتكِ من صداع، وسخونة في الرأس، وألم في الكتفين، وصعوبة في النوم، وثقل في العبادة، لا يجوز الجزم بأن سببه مسٌّ شيطاني؛ لأن هذه الأعراض قد تنتج عن أسباب عضوية، أو نفسية، أو غيرها، وقد تجتمع أكثر من علة في الوقت نفسه.

وتشخيص المس من الأمور الظنية، فلا يثبت بمجرد الأعراض، أو بقول راقٍ، بل يبقى في دائرة الاحتمال حتى تقوم قرائن أقوى؛ ولذلك ينبغي الجمع بين الأخذ بالأسباب الشرعية، ومراجعة المختصين في الطب، فقد يكون عندكِ أسباب عضوية أدت إلى تلك الأعراض، وفي هذه الحال يكون العلاج عن طريق الأطباء، وأخذ الوصفات العلاجية منهم.

اعلمي أن وقوع المرض، أو الابتلاء لا يدل على نقص الإيمان، ولا على غضب الله، بل قد يبتلي الله أحب عباده إليه؛ ليختبر صبرهم، ويرفع درجاتهم، ويكفر عنهم سيئاتهم، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.

وقد أخبرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- أن من علامات محبة الله للعبد أن يبتليه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ»، فعليكِ بالرضا بقضاء الله وقدره، وحذارِ التسخط، وإلا فالجزاء من جنس العمل.

لو كان هناك عين، أو سحر، أو مس، فإن المحافظة على الصلاة، والأذكار، وقراءة سورة البقرة، من أعظم أسباب الوقاية والعلاج -بإذن الله-، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة»، لكن لا ينبغي أن تُجعل قراءة سورة البقرة وسيلة للحكم بوجود المس أو نفيه، وإنما هي عبادة عظيمة، ورقية مشروعة في كل حال.

أنصحكِ بألا ينشغل قلبكِ كثيرًا بالسؤال: «هل عندي مس؟»؛ لأن الانشغال المفرط بذلك قد يزيد القلق والوساوس، بينما المشروع أن ينشغل المسلم بالأخذ بالأسباب النافعة، مع حسن التوكل على الله، والثقة برحمته.

استمري على الرقية الشرعية الثابتة، بقراءة الفاتحة، وآية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة، وسور الإخلاص، والفلق، والناس، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفاتحة: «وما يدريك أنها رقية» متفق عليه، وكان إذا اشتكى قرأ بالمعوذات ونفث على نفسه، متفق عليه.

وإذا احتجتِ إلى من يرقيكِ، فاحرصي أن يكون معروفًا بالعلم والاستقامة، بعيدًا عن الدجل والمبالغات، مع العلم أن رقية الإنسان لنفسه هي الأصل، وهي أكمل في التوكل والإخلاص.

أنصحكِ كذلك بمراجعة طبيب مختص إذا استمر الصداع، أو اضطراب النوم، أو الشعور بالسخونة، فقد تكون لهذه الأعراض أسباب طبية تحتاج إلى تشخيص وعلاج، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواءً».

أكثري من دعاء ذي النون: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما دعا بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له».

الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فذلك من أسباب تفريج الهموم، وتنفيس الكروب، ففي الحديث: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».

عليكِ بدعاء الكرب، وهو: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم»، فما دعا به داعٍ إلا فرَّج الله كربته.

اعلمي أن المرض -مهما كان سببه- قد يكون سببًا لرفع الدرجات، وتكفير السيئات، إذا صبر العبد واحتسب، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه» متفق عليه.

عليكِ بالصبر، فالمؤمن يتقلب بين مرتبتي الصبر والشكر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ، إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ، وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمِنِ؛ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فكانتْ خَيرًا لهُ، وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فكانتْ خَيرًا لهُ».

ثقي بالله تعالى، وأحسني الظن به، واستمري على عبادتكِ، واجمعي بين الرقية الشرعية والعلاج الطبي، ولا تجعلي تشخيص المس يشغلكِ عن عبادة الله، أو يورثكِ الخوف؛ فإن الشفاء بيد الله وحده، وهو سبحانه أرحم بعباده من أنفسهم.

اصبري، ولا تستعجلي النتيجة؛ فإن الشفاء قد يتأخر لحكمة يعلمها الله تعالى، والمؤمن مأجور على صبره وأخذه بالأسباب، والله سبحانه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.

نسأل الله تعالى أن يمنَّ عليكِ بالشفاء العاجل، وأن يرزقكِ الطمأنينة، ويصرف عنكِ كل سوء، ويجعل ما أصابكِ رفعةً في درجاتكِ، وتكفيرًا لسيئاتكِ، ويثبتكِ على طاعته حتى تلقَيْه وهو راضٍ عنكِ، آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً