الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لدي وسواس قهري في أمور دينية لا أستطيع التخلص منه، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعلم أنكم قد وردت إليكم أسئلة كثيرة تتعلق بالوسوسة، وأنكم أجبتم عنها مرارًا، لكنني أريد إرشادكم ونصيحتكم، لو تكرمتم.

أنا مصاب ببعض الوساوس منذ زمن، لكنها اشتدت عليَّ في هذا العام، وأصبحتُ أوسوس في كل شيء تقريبًا، وأجد هذه الوساوس في أمور العقيدة.

وممَّا كان يقلقني أيضًا منذ زمن، وازداد في هذه الفترة، ولا أدري إن كان مرتبطًا بالوسوسة: أنني -للأسف، عياذًا بالله- عندما يتحدث أي شخص، سواء كان من عامة الناس أو صديقًا، أو أسمع شخصًا في مقطع فيديو مثلًا يتحدث عن الله تعالى أو عن النبي ﷺ، أو يلقي موعظةً وهو متأثر، أشعر بإحساس غريب، كالاشمئزاز أو النفور من كلامه، ولا أدري لماذا.

أنا بالطبع لا أكره الكلام في ذاته، لكن عندما يتحدث به أحد -حتى أحيانًا في بعض دروس العلم- أشعر بهذا الشعور والضيق الغريب؛ ممَّا يجعلني أظن أنني منافق أو كافر، والعياذ بالله، وكأنني لا أريد سماع هذا الكلام والمواعظ، وأريد أن أعيش منفصلًا عن الدِّين، والعياذ بالله، كنوع من العلمانية، وأشعر أن ذلك نابع مني فعلًا، ولا أدري: أيُعقل أن تكون هذه مجرد وساوس؟

وأيضًا، عندما أحاول التحدث في الدِّين، وذكر حديث أو آية مثلًا، أشعر برهبة واشمئزاز وعدم ارتياح غريب لا أستطيع وصفه، رغم تصديقي للكلام ذاته الذي أقوله وإيماني به، ممَّا يجعلني أزداد شعورًا بالنفاق.

ولا أكاد أجد أحدًا قد تحدث عن مثل ما أعانيه، وحتى عندما أدعو الله أن يذهب عني هذا الشعور، لا أدري كيف أصفه أصلًا؛ لجهلي بماهيته.

فأفيدوني، أثابكم الله؛ لأن هذا الموضوع يقلقني جدًا، وأكاد أشعر بسببه بإحباط شديد، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ علي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول مستعينًا بالله:

أولًا: أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويعافيك من الوسواس، ويثبتك على الإيمان والهدى.

ثانيًا: أخي الكريم، ما وصفته من اشتداد الوساوس عليك وانتقالها إلى أمور العقيدة، ثم شعورك بالضيق أو النفور عند سماع الكلام عن الله تعالى أو رسوله ﷺ، مع أنك تؤمن بما تسمعه، ولا تكره الدين، وإنما تكره هذا الشعور وتخاف منه وتتمنى زواله؛ فهذا يتوافق مع الوسواس الذي ابتُليت به، وليس دليلًا على أنك منافق أو كافر؛ وهذه الوساوس خارجة عن إرادة الإنسان، ولذلك لا يعاقب عليها، كما قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].

جاء أصحاب النبي ﷺ إليه يشكون ما يجدونه في أنفسهم من الوساوس التي يعظمون أن يتكلموا بها، فقال لهم: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ». فالمقصود أن ما يطرأ على المؤمن من الوساوس التي يكرهها ولا يرضى بها لا يؤاخذ عليه، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ».

ومن هنا، فلا تجعل الشعور العابر حاكمًا على عقيدتك، ولا تقل: لماذا شعرت بالاشمئزاز؟ وهل هذا يعني أنني أكره الدين؟ وهل أنا منافق؟ فإن هذا التفتيش المتكرر هو مما يغذي الوسواس، والعبرة بما تعتقده وتريده وتختاره، لا بما يطرأ عليك قهرًا من مشاعر وخواطر لا ترضاها؛ قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7].

ثالثًا: شعورك بالرهبة أو النفور عندما تذكر آيةً أو حديثًا، فلا تتوقف لتختبر نفسك: هل شعرت بالخشوع؟ وهل أحببت ما قلت؟ وهل زال الشعور؟ بل قل الآية أو الحديث بصورة طبيعية، ثم انتقل إلى ما بعده، ولا تكرر الكلام حتى تشعر بالراحة؛ لأن الاستجابة لهذه الاختبارات تفتح باب الوسواس، قال الله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة: 168].

أرشد النبي ﷺ إلى أفضل علاج للتعامل مع وساوس العقيدة بقوله: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ»، فبداية العلاج ألَّا تُصغِ للوساوس، بل استعذ بالله من الشيطان الرجيم حين تأتيك الوساوس، ولا تحاورها أبدًا، وقم من المكان الذي أتتك فيه، ثم قم بممارسة أي عمل نافع يلهيك عنها.

الدخول مع الوسواس في نقاش طويل، أو البحث عن إجابة جديدة لكل سؤال يطرحه عليك، يغذي الوسواس ويجعله نشطًا باستمرار، والعلاج -كما سبق- يكمن في قطع الإصغاء، والتحاور، والتجاهل التام، مع الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.

المطلوب منك أن تعبد الله وتسمع كلامه وتعمل به، وليس مطلوبًا أن يكون شعورك في كل لحظة على درجة واحدة، فالإنسان قد يمر بمرحلة فتور، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى»، ومن رحمة الله أنه لا يكلف الإنسان فوق مقدوره، قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].

أوصيك ألَّا تبحث باستمرار في الإنترنت عن حكم كل شعور أو خاطرة، وألَّا تكرر سؤال نفسك أو غيرك: "هل أنا كافر؟ هل أنا منافق؟ هل هذا الشعور حقيقي؟"؛ لأن طلب الطمأنينة المتكرر قد يصبح جزءًا من الوسواس.

وإذا جاءك السؤال نفسه مرةً أخرى، فلا تبدأ رحلة البحث من جديد، بل تعامل معه على أنه وسواس، واستمر في حياتك وعبادتك.

رابعًا: ذكرتَ أن الوسواس اشتد عليك وأصبح يتناول أمورًا كثيرةً ويسبب لك القلق والإحباط، فننصحك بمراجعة طبيب أو أخصائي نفسي موثوق لديه خبرة في علاج الوسواس القهري، ولا سيما العلاج السلوكي المناسب له، فطلب العلاج النفسي ليس منافيًا للتوكل؛ فقد قال النبي ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ».

والخلاصة:
• لا تحكم على نفسك بالكفر أو النفاق بسبب هذا الشعور.
• لا تحاول تحليل الشعور أو اختباره.
• لا تستجب للوسواس بالبحث ومحاولة الطمأنة المتكررة.
• استعذ بالله، وأعرض عنه.
• استمر في عبادتك وحياتك بصورة طبيعية.
• خذ بالأسباب العلاجية إذا اشتد عليك الأمر.

خامسًا: من خلال استشارتك، ذكرت أنك تؤمن بالله، وتصدق بدينه، وتكره هذه الوساوس وتتألم منها، وهذا هو صريح الإيمان كما ورد في الحديث الصحيح، وعليه فلا تجعل ما يأتيك بغير اختيارك حاكمًا على إيمانك، وكن على يقين أنك لن تؤاخذ على ما يدور في خواطرك من جراء تلك الوساوس؛ كونها خارجةً عن إرادتك.

سادسًا: نوصيك بالآتي:

• كثرة الدعاء بأن يصرف الله عنك الشيطان ووساوسه، وأحرى أوقات الإجابة منها ما بين الأذان والإقامة، وفي الثلث الأخير من الليل، وما بين العصر والمغرب من يوم الجمعة، ويوم الأربعاء ما بين الظهر والعصر، وغيرها.
• أكثر من الاستغفار؛ فقد قال النبي ﷺ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ».
• أكثر من الصلاة على النبي ﷺ؛ فقد قال أُبيُّ بن كعب رضي الله عنه للنبي ﷺ: أجعل لك صلاتي كلها؟ فقال ﷺ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».
• أكثر من دعوة ذي النون؛ فقد قال النبي ﷺ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ».

أسأل الله تعالى أن يصرف عنك الشيطان ووساوسه، ويرزقك السكينة والطمأنينة، وأن يجعل القرآن ربيع قلبك ونور صدرك، ونسعد بتواصلك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً