الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

منذ أن رفضت شخصاً تقدم لي وأنا لم أوفق في حياتي!!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة لم أتزوج، وأعاني من اكتئاب شديد بسبب ذلك، وتركتُ صلاتي وأذكاري وحفظ القرآن، ورفضتُ شخصًا طيبًا حينما كنتُ في العشرينيات من عمري، ومنذ أن رفضتُه، وأنا لم أوفَّق في حياتي أبدًا، وأصدقائي تركوني، وكانوا دائمًا يقولون لي: «أنتِ لستِ مثلنا، نحن ناصحون، وأنتِ هبلة».

وأنا أعاني من سوء معاملة أهلي، وعدم التوفيق في جميع نواحي الحياة، وشعرتُ أنني ظلمتُه كثيرًا، وكان يريدني بشدة، وأنا الآن في أواخر الثلاثينيات، ولم أوفَّق في حياتي، وتوقفت حياتي عند ذلك، فأصبحتُ بلا زوج، ولا أولاد، ولا عمل، ولا أصدقاء، وأمي مريضة وكبيرة في العمر، مع إهمال أهلي لي وتأنيبهم المستمر، وما أشعر به من حزن وقهر.

وأدعو على نفسي بالموت، وأردد دائمًا: «أنت تظلمني وتكرهني يا رب»، دون توقف، ولا أريد الصلاة، فماذا أفعل؟ كما أنني قررتُ الانعزال التام حتى الموت.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Sama، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركِ على تواصلكِ معنا، وثقتكِ بموقعنا.

فهمنا من رسالتكِ -أختي الكريمة- أنكِ تحملين في قلبكِ سنواتٍ طويلةً من الألم والوحدة والشعور بالظلم، وأن هذا الألم بلغ بكِ حد ترك الصلاة والذكر وحفظ القرآن، بل وصل بكِ إلى أن تدعي على نفسكِ، وأن تكرري في نفسكِ أن الله يظلمكِ ويكرهكِ.

وأول ما أود أن أقوله لكِ -أختي-: إن هذا الكلام الذي يجول في خاطركِ ليس حقيقةً، وإنما هو صوت اليأس والألم المتراكم، وهو يتحدث بلسانكِ، والشيطان يجد في مثل هذه اللحظات فرصته؛ ليقذف في القلب ما يبعده عن ربه.

وأما ترديدكِ في نفسكِ: «أنت تظلمني وتكرهني يا رب»، فليس دليلًا على أنكِ تعتقدين ذلك حقيقةً، وإنما هو تعبير عن شدة الألم والقهر اللذين تحملينهما، وقد يكون من الأفكار التي يفرضها الاكتئاب واليأس، والله تعالى منزَّه عن الظلم، وهو أرحم بعباده من أنفسهم، فإذا وردت هذه العبارة على خاطركِ، فاستعيذي بالله، ولا تناقشيها ولا تسترسلي معها، وقولي بدلًا منها: «يا رب، إنني متألمة، فاشرح صدري، وارحمني، وأعنِّي على نفسي»، وإن كانت تخرج منكِ بغير قصدٍ، فلا تؤاخذين عليها، لكن احرصي على عدم تكرارها والاسترسال فيها.

والله عز وجل لا يظلم أحدًا، ولا يكره عباده، بل هو أرحم بكِ من أمكِ، وقد قال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا»، فكيف يظلمكِ من حرَّم الظلم على نفسه؟!

اسمحي لنا أن نقول لكِ بصراحة: إن ما وصفتِه من رغبةٍ متكررةٍ في الموت، ومن قرارٍ بالانعزال التام حتى الموت، أمرٌ يتجاوز الحزن العادي، وهو من علامات الاكتئاب الشديد الذي يحتاج فعلًا إلى تقييمٍ من طبيبٍ نفسيٍّ متخصصٍ.

ولسنا هنا نشخِّص حالتكِ عبر الموقع، فهذا ليس دورنا، ولكن للأمانة تجاه نفسكِ، يلزمكِ أن تطلبي هذا التقييم في أقرب وقتٍ ممكنٍ، فطلب المساعدة ليس ضعفًا ولا عيبًا، بل هو من تمام التوكل على الله الذي أمرنا أن نأخذ بالأسباب، والنبي ﷺ قال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً»، والنفس تمرض كما يمرض الجسد، ولها من يعالجها، كما للجسد أطباؤه.

يمكن أن ننظر إلى ما تعانين منه من زاويتين:
الأولى: الحمل النفسي الثقيل الذي تراكم عليكِ منذ رفضكِ ذلك الشخص الطيب قبل سنواتٍ.
الثانية: ما تعرضتِ له بعد ذلك من إهمال الأصدقاء، وقسوة الأهل، ومرض أمكِ، وحزنها.

أمَّا الأمر الأول؛ فنريد أن نطمئنكِ -أختي- أن قراركِ يومها كان قراركِ أنتِ، ولكِ الحق فيه، ولعله كان عن اجتهادٍ منكِ فيما رأيتِه يومها صوابًا.

والإنسان لا يعاقب نفسه إلى الأبد على قرارٍ اتخذه وهو يحاول أن يفعل الأصوب، فإن كان فيه تقصيرٌ، فبابكِ إلى الله مفتوحٌ بالتوبة والاستغفار، وإن كان اجتهادًا منكِ، فلا إثم عليكِ فيه، فقد قال النبي ﷺ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ»، فكيف بمن اجتهدت في أمر نفسها؟!

وأما الأمر الثاني؛ وهو تخلي أصدقائكِ عنكِ، ووصفهم لكِ بما وصفوكِ به، فاعلمي أن قيمتكِ ليست بما يقوله فيكِ من لا يعرف حقيقتكِ، وأن رضا الله أغلى من رضا الخلق جميعًا.

والله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، فتوكلي عليه وحده، ولا تجعلي كلام الناس ميزانًا لقيمتكِ.

ومن الأمور التي سوف تعينكِ -بإذن الله-:

• أولًا: عودي إلى الصلاة برفقٍ مع نفسكِ، ولا تشترطي عليها الكمال من أول يومٍ، صلِّي ركعتين بخشوعٍ بسيطٍ وقلبٍ منكسرٍ؛ فالصلاة حين تتركها النفس في وقت الأزمة تحرم نفسها من أقرب طريقٍ إلى السكينة، والله تعالى يقول: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.

• ثانيًا: توقفي عن الدعاء على نفسكِ بالموت، فهذا لا يجلب لكِ إلا مزيدًا من الظلمة، واستبدليه بدعاءٍ تقولين فيه: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ السَّكِينَةَ، وَالفَرَجَ، وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ»، فالدعاء سلاحٌ، ولا يليق أن يوجَّه إلى النفس بالشر.

• ثالثًا: لا تحكمي على نفسكِ بالعزلة حتى الموت، فالعزلة في مثل حالكِ تزيد الألم، ولا تخففه، وحاولي أن تبقي على خيطٍ بسيطٍ من التواصل مع من تثقين بها، ولو كانت واحدةً فقط.

• رابعًا: تعاملي مع قسوة أهلكِ بقدر ما تستطيعين من الصبر وحفظ الحق، وابحثي عن طريقةٍ تخففين بها همكِ عنهم، دون أن تحملي نفسكِ فوق طاقتها، وبري بأمكِ -رغم الجراح التي قد تكون سببتها لكِ-، فإن الله سيجازيكِ على ذلك خيرًا كثيرًا، لا يعلمه إلا هو.

• خامسًا: اطلبي المساعدة المتخصصة، كما ذكرتُ لكِ، فهذا هو الأهم في هذه المرحلة، ولا تؤجليه.

أختي الكريمة، تذكري أن الشدة مهما طال أمدها، فإن الفرج قريبٌ منها، كما قال الشاعر:
إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى اليَأْسِ الْقُلُوبُ *** وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ
وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ *** فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ

فلا تيأسي من رحمة الله، فهو القائل: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}، وأمامكِ في عمركِ بقيةٌ طويلةٌ مليئةٌ بفرصٍ جديدةٍ، ورحمةٍ واسعةٍ لا تنفد.

نسأل الله أن يزيح عنكِ هذا الهم والغم، وأن يشرح صدركِ، وأن يبدلكِ بعد عُسركِ يُسرًا، وأن ييسر أمركِ، ويهديكِ سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً