الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العودة للمعصية بعد التوبة: هل يعني اليأس من محاولة الصلاح؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنت شاباً تائهاً لفترة طويلة بعد سنين البلوغ حتى أعانني الله وتركت الإباحية، وصرت ملتزماً بالعبادة؛ حيث تركتها مدة سنة ونصف تقريباً، وفي هذه الفترة من الالتزام كنت أعد نفسي للزواج من الناحية المادية، والعلمية، والسلوكية، ومعرفة حقوق أفراد العائلة.

ولكن الآن ومنذ خمسة أو ستة أشهر عدت إليها، وكلما -أقع- أضع باباً آخر لتصعيب الرجوع، مثل: حذف وحجب أبواب الفتن، بالإضافة إلى وساوس أخرى لا أحب التحدث عنها، ولكن فهمت من الأحاديث أنها صريح الإيمان، وأيضاً قَلّت نوافلي، والسنن، والأذكار، وقراءة القرآن، مع المحافظة على الفرائض.

هل أنا في هذه الحالة أعتبر مدمناً للإباحية؟ لأني لا أحب أن أتصف بهذه الصفة خاصة وأنني حصلت على وظيفة، وبدأ أمر الزواج يصبح شيئاً قريباً -والحمد لله-، تفكيري يكون بأن إذا أردت الزواج بامرأة صالحة فيجب أن أكون صالحاً أولاً، ولكن ضعف إيماني كثيراً؛ بسبب الوساوس والمعاصي.

هل هذا بسبب عدم إخلاصي في الأمور كلها لله؟ مع أني أريد الزواج لكي أرضي الله -عز وجل-، وهل أكون ظالماً إذا كنت في هذه الحالة من المعاصي وتقدمت للخطبة مثلاً؟ الموضوع مرهق وصعب، وأريد أن أعرف: هل أنا ما زلت شخصاً صالحاً؟ دخلت في دورة تأهيل أسري لإعداد الشباب للزواج، لكي أثبت لرب العالمين أني أحاول أيضاً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك مررت بمرحلة طويلة من التيه بعد البلوغ، ثم منّ الله عليك فتركت هذه الآفة مدة سنة ونصف كاملة، وفي هذه المدة أعددت نفسك للزواج ماديًا وعلميًا وسلوكيًا، وهذا في حد ذاته إنجاز يستحق أن تفتخر به لا أن تنساه، ثم عدت منذ خمسة أو ستة أشهر، فوجدت نفسك تصارع من جديد، رغم أنك تضع الأبواب وتحجب الفتن، وتزيد في نوافلك وأذكارك مع محافظتك على فرائضك، وهذا الصراع الذي تصفه مؤلم فعلًا، ونحن نقدر شعورك بالإرهاق منه، خاصة وأنت مقبل على مرحلة الزواج التي تعلقت بها آمالك في الاستقامة والطهر.

أحب أن أقول لك: إن هذه الدنيا دار ابتلاء، والنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، والوقوع بعد الاستقامة ليس نهاية الطريق، بل هو محطة من محطاته، فالله -عز وجل- يقول في محكم كتابه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، فانظر كيف خاطب المسرفين لا المستقيمين، وكيف نهاهم عن القنوط لا عن التوبة، فرحمة الله أوسع من ذنبك مهما تكرر.

أما سؤالك الأول عن كونك مدمناً؛ فهذا وصف إكلينيكي دقيق يحدده متخصص بعد تقييم كامل لطبيعة السلوك، وتكراره وأثره على حياتك، ولسنا في موضع الجزم به عبر رسالة، لكن الذي يهمنا هنا أمر آخر أهم من التسمية، وهو أنك لم تستسلم، فأنت تضع الحواجز، وتزيد العبادة، وتحاسب نفسك، وهذا سلوك المجاهد لا سلوك المستسلم، فالفارق الحقيقي ليس بين من يقع ومن لا يقع، بل بين من يقع ثم يستسلم للمعصية ومن يقع ثم يعاود المحاولة، وأنت من الصنف الثاني -بفضل الله-.

وأما ما ذكرته من وساوس تخاف الحديث عنها، وفهمت من الأحاديث أنها صريح الإيمان، فقد أصبت في هذا الفهم، فقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أصحابه سألوه عن أمور يجدونها في أنفسهم يعظم عليهم أن يتكلموا بها، فقال لهم: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم]، ومعناه أن انزعاجك من هذه الخواطر وخوفك منها وحرصك على عدم الاستسلام لها هو بذاته علامة صحة في قلبك، لأن العاصي المصر المطمئن بمعصيته لا يشعر بهذا الألم ولا يبحث عن حجب ولا يسأل عن حاله، فوجود هذا القلق عندك دليل حياة القلب لا موته.

وأما سؤالك المهم عن كونك ظالماً إن تقدمت للخطبة وأنت في هذه الحالة؛ فالجواب أنك لست ظالماً، بل ربما يكون الزواج نفسه هو الدواء الذي تبحث عنه، فقد قال الله -عز وجل-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» [متفق عليه].

فالزواج شرعه الله من جملة أسبابه إعفاف من فيه ضعف أمام الشهوة، وليس شرطاً في الزواج أن يكون الإنسان معصوماً من الذنب قبله، وإنما الظلم الحقيقي أن تخفي عن الطرف الآخر أمراً يستحق التصريح له به إن كان يؤثر فعلاً على حياتكما الزوجية، وهذه مسألة تفصيلية يحسن أن تسأل فيها أهل العلم بالفتوى ليبينوا لك حدود الواجب في الإفصاح من عدمه بحسب حالك، أما أصل تقدمك للزواج فلا حرج فيه، بل قد يكون من صدق نيتك في التغيير.

ومما يعينك -بإذن الله- في هذه المرحلة أن تحرص على استمرار الحجب دون أن تفتح لنفسك أي باب مهما صغر، فالشيطان يدخل من أصغر المداخل، وأن تتجنب أوقات الفراغ والخلوة التي تكثر فيها هذه المصارع، وأن تملأ وقتك بما ينفعك من هذه الدورة التأهيلية وغيرها من الأعمال، وأن تبحث عن رفقة صالحة تعينك وتحاسبك، فالإنسان على دين خليله، وأن تصوم بعض الأيام إن استطعت فالصوم وجاء كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [متفق عليه]، وأن تلجأ إلى الرياضة وتفريغ الطاقة بما هو مباح، وأن تعود نفسك أنك متى وقعت بادرت بالتوبة والاستغفار فوراً دون تسويف ودون أن تستسلم لجلد الذات، فإن الشيطان يفرح بيأسك من رحمة الله أكثر من فرحه بأصل الذنب.

نسأل الله أن يثبتك على الحق، وأن يعينك على نفسك، وأن ييسر لك زواجاً صالحاً يكون سكناً لقلبك وستراً لك، وأن يشرح صدرك ويهديك سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً