الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حائر بين الاستمرار في عملي وتطويره وبين مواصلة الدراسة.. أرشدوني

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عرفتُ أهمية التعليم، لكنني أواجه مشكلات وتحديات تمنعني من المضي قدمًا؛ فقد فوّتُّ سابقًا فرصًا مجزية للاغتراب بسبب رغبتي في الدراسة، ومؤخرًا فقدتُ الشغف بمجال الحاسوب مع تقدمي في العمر، ولم أعد أطيق الجلوس طويلًا، كما أُصبت بالسكري بسبب قلة الحركة.

أدرس حاليًا تخصص تقنية المعلومات عن بُعد، ومدته خمس سنوات، وأواجه صعوبة بالغة وخوفًا كبيرًا من مواده المعقدة، كما أن الدراسة تتطلب تطبيقًا عمليًا يوميًا على الحاسوب، لكنني أهمل ذلك.

ومن الناحية المهنية، أعمل في مجال يتذبذب فيه الطلب؛ فأحيانًا أمضي ثلاثة أيام دون عمل، وأحيانًا أعمل من مرة إلى ثلاث مرات في اليوم، مقابل أجر زهيد.

لا أريد ترك عملي الحالي، بل أرغب في التمسك به وتطويره وتوسيعه ليصبح مربحًا، ويحقق لي الثراء والاستقرار المالي، حتى أتمكن من تجهيز نفسي للزواج وبناء منزل، لكنني، بسبب ضغوط الدراسة، أجد نفسي غير قادر على التفرغ لتطوير عملي، وأشعر بالحيرة والتشتت بين السعي إلى تطويره ومواصلة الدراسة.

يتوزع يومي بين العمل صباحًا، ثم الراحة والدراسة من المغرب حتى النوم، مما يسبب لي إرهاقًا بدنيًا وذهنيًا شديدًا، فأصبحتُ لا أستطيع الاستيقاظ لصلاة الفجر، وإذا استيقظتُ أكون متعبًا ومرهقًا للغاية، فأغلق المنبه وأنام حتى شروق الشمس لأحصل على قسط كافٍ من النوم، مع أنني كنت أستيقظ سابقًا.

كما أواجه تشتتًا عند محاولة الدراسة في وقت العمل وسط الضوضاء، وأعاني قصر نظر وضعفًا في البصر في عيني اليسرى، ولا أرتدي نظارتي الطبية إلا نادرًا.

عانيت سابقًا من عزلة طويلة جعلتني منسيًا في محيطي، ولدي رغبة في ممارسة الرياضة المنزلية وتطوير ذاتي، وفي الوقت نفسه، سمعت أن الدراسة تتطلب خمس ساعات يوميًا أو أكثر، خاصة في نظام الدراسة عن بُعد.

أرغب في الدراسة، لكنني أريد ألا تتعارض مع عملي وتطويره، ولا مع علاقاتي وتواصلي الاجتماعي واستمتاعي بالحياة، وقد أُحبطتُ عندما علمتُ أن التعليم عن بُعد غير معتمد في الخارج، مع أن الشهادة بالنسبة إليّ هدف مستقبلي، بغض النظر عن العمل بها.

• ما التخصص المناسب لي في تقنية المعلومات، بناءً على ظروفي، خاصة أنني أعتقد أن البرمجة صعبة؟
• وهل تكفي ساعة ونصف يوميًا للنجاح، دون أن تتعارض الدراسة مع عملي وتواصلي الاجتماعي؟
• كيف أقيّم جدوى استمراري في الدراسة، وأوفّق بين تمسكي بعملي وتوسيعه لتحقيق طموحي المالي، وبين مواصلة التعليم وبناء العلاقات، من دون هذا الإنهاك البدني والنفسي؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ كمال حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يُلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

أخي العزيز، عند التأمل في تساؤلاتك نجد أنك تحاول أن تبني حياتك كلها دفعة واحدة؛ فأنت تريد الشهادة، وتوسيع العمل، وزيادة الدخل، والزواج وبناء البيت، وممارسة الرياضة، وتطوير الذات، والحفاظ على العلاقات، والعبادة، والاستمتاع بالحياة، ثم تقيس نفسك على أساس أنك يجب أن تنجز كل ذلك في وقت واحد؛ ولذلك فمن الطبيعي أن تشعر بالتعب والتشتت.

كما أن مشاعر الخوف من فوات الفرص ومرور العمر، قد تدفعك إلى محاولة جمع أكبر قدر ممكن من الإنجازات في وقت واحد، فإذا عجزت عن ذلك دخلت في دائرة من القلق، والشعور بالعجز والتشتت، وهذه نتيجة متوقعة عندما تتعدد المهام والاتجاهات والرغبات، دون ترتيب واضح.

لذلك أخي العزيز، من المهم أن تصحح بعض المفاهيم أولًا؛ فليس شرطًا للنجاح أن تدرس خمس ساعات يوميًا، فهذه ليست قاعدة عامة، وقد تكون ساعة أو ساعة ونصف من الدراسة المركزة يوميًا، على مدى سنوات، ذات أثر كبير، بشرط الثبات والاستمرار، وأن يكون فيها تطبيق عملي حقيقي، لا مجرد قراءة أو تصفح.

كذلك الإنجاز لا يأتي مرة واحدة، ولكنه نتيجة لتراكمات من تحقيق الأهداف والإنجازات الصغيرة التي تساعدك على تحقيق أهدافك الكبرى.

لذلك لا أنصحك الآن بترك عملك من أجل الدراسة، ما دام عملك الحالي يوفر لك قدرًا من المرونة، ولديك رغبة في تطويره، فتعامل معه كمصدر دخل قائم يحتاج إلى تحسين تدريجي، واجعل الدراسة مشروعًا طويل الأجل؛ بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، وإنما يكون ذلك من خلال تنظيم الوقت، وحسن إدارة المهام، وترتيبها بحسب الأولوية والأهمية والاستعجال.

وفيما يخص البرمجة، فلا تحكم عليها لمجرد شعورك بالخوف منها؛ فالانطباعات قد تدفع الإنسان إلى قرارات متسرعة، حاول أن تستمر في التعرف إلى عالم البرمجة، واسأل من عاش تجربة البرمجة عن طبيعة المواد والتطبيقات والجهد المطلوب، ثم قرر بعد ذلك في ضوء ظروفك وقدراتك الفعلية، لا بناءً على الخوف وحده.

ومن المهم كذلك أن تضع لنفسك نظامًا واقعيًا، كأن تجعل لك حدًا أدنى ثابتًا للدراسة من 60 إلى 90 دقيقة يوميًا، مع وقت محدد للعمل، ونوم كافٍ، وحركة يومية، ولا تحاول الدراسة وسط ضوضاء العمل، بل خصص لها وقتًا هادئًا ولو كان قصيرًا، وحدد ما يمكن تأجيله وما ينبغي إنجازه أولًا.

أخي العزيز، حالتك الصحية لا تتعامل معها على أنها مجرد ضعف في الإرادة؛ فقد يكون لها أثر كبير في نشاطك وتركيزك، ولذلك احرص على مراجعة الطبيب، وتنظيم النوم، وفحص النظر، وضبط السكري، حتى لا تتحول المشكلات الصحية إلى عائق عن بقية أهدافك.

أخي الفاضل، الجانب الإيماني مهم جدًا في حياتك، فلا تجعل الدراسة سببًا في التفريط في الصلاة، ولا تجعل التقصير سببًا لليأس، خذ بالأسباب، ونظم نومك، واضبط منبهاتك، واستعن بالله، وبادر إلى التوبة من التفريط فيما مضى، وتذكر قول النبي ﷺ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» (متفق عليه)، فالاستمرار على القليل النافع خير من الاندفاع في الكثير ثم الانقطاع.

وأخيرًا أخي الغالي، حالة التشتت تخف بإذن الله عندما تحدد هدفك، وترتب أولوياتك، وتجعل وسائل تحقيقه مرنة، وتنظم وقتك وفق طاقتك الحقيقية، ومع الوقت والمجاهدة والصبر تحقق ما تريد، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

وفقك الله ويسر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً