الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أختي تسيء إليّ وتؤذيني، فماذا أفعل لاتقاء شرها؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أختي تكبرني بخمسة أعوام، وهي دائمة الخصومة معي دون أسباب تُذكر، أستيقظ لأجدها لا تكلمني، وأغلب الوقت لا أعلم ما سبب الخصومة، أحاول أن أكلمها، ولكنها قد لا ترد، وإذا اضطرت للرد لا تنظر إليَّ، ويستمر الخصام لأسابيع إلى أن تقرر هي أنها ستكلمني، وهذا الموضوع مستمر منذ سنوات طويلة.

تقوم بالصراخ دون أسباب، وتؤذيني بكلامها وأفعالها، وأغلب الوقت هي غاضبة، وتصرخ بشكل شبه يومي، وتخبط في كل شيء في المنزل، حتى إنها لا تراعي أفعالها وأنا أصلي مثلًا، فتصرخ وتجعلني أتوتر، سواء في الصلاة أو في غيرها، وتشعرني بالحزن حقًّا؛ لأنه عندما يأتي إخوتي الباقون إلى المنزل، تقوم بالضحك المفرط معهم، وتتفاعل معهم، لكن عندما يتعلق الأمر بي، فنادرًا ما نتحدث أنا وهي.

أحاول أن أحدثها، وأضحك معها، وألبي طلباتها، ولكن هذا لا يحدث فرقًا، بل إن أفعالها وكلامها على مر السنين أثَّرا عليَّ نفسيًا، فمن كلامها الذي قالته لي -وعذرًا على هذا الكلام-: «أنتِ الناس تدوس عليكِ بالأحذية»، لمجرد أنني سامحت صديقة لي قامت بإيذائي، فهي بالفعل تستحقرني، وتعارض كلامي بحدة وجفاء، وتكره أن ترى أحدًا يمدحني، وإذا جئت بفكرة أعجبتها لا تنسبها لي أبدًا، وتقول إنه لا بد أن أحدًا أخبرني بها، وتقوم حتى بإهانتي وإحراجي أمام الناس، والصراخ عليَّ أمامهم.

حتى إنني عندما علمت بتشخيص إصابتي بمرض خطير، قالت أختي بحدة إنني لا أفقه شيئًا، وإنه يُهيَّأ لي كل هذا، وحتى في عملي أهانتني بشدة بسبب إخباري لها أن زميلنا وضع ساعات عمل مزيفة، واستحل ما أخذه، وهي ترى ذلك شطارة وذكاءً منه؛ لأنه أخذ المال من الكفار -فالدولة التي أعمل بها غير مسلمة-، وأرادت مني أن أفعل مثلما فعل، ولكنني رفضت، فقامت بالصراخ عليَّ.

وصل الحال بي من جفائها إلى كره نفسي، وظني أنني لا أستحق شيئًا جيدًا، وفقدان الثقة بنفسي وبأفعالي وكلامي وقراراتي، والخوف منها ومن لسانها، ومحاولة استرضائها والطبطبة عليها.

حاولت إشراك والدي في الأمر، ولكنه لم يجد حلًّا سوى تهديدنا بأنه إذا تكرر أمر خصومتنا أمامه، فسيغضب منا غضبًا شديدًا، ووالدتي ليس لها حيلة أيضًا سوى محاولة التماس الأعذار لها، مع العلم أنها -ما شاء الله عليها- تصلي الصلوات في وقتها، وتقرأ القرآن.

لا أعرف ماذا يجب عليَّ فعله، فهل من نصيحة؟ وهل عليَّ ذنب إذا تعاملت معها على أنها غير موجودة اتقاءً لشرها؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فاطمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يجبر قلبكِ، ويعوضكِ عن كل ما آلمكِ، ويمنحكِ السكينة والقوة.

وقد أحسنتِ في حرصكِ على إصلاح العلاقة، وعدم مقابلة الأذى بأذى مثله؛ وهذا يدل على خير فيكِ، وما تصفينه من أثر هذه المعاملة عليكِ يحتاج إلى أن تتعاملي معه بحكمة تحفظ حق أختكِ، وحقكِ أنتِ في الأمان النفسي والكرامة.

أختنا الكريمة، صلة الرحم لا تعني أن تجعلي نفسكِ تحت رحمة الغضب والصراخ والإهانة، كما أن أخطاء أختكِ لا تبرر لكِ قطيعتها أو ظلمها، والمطلوب هو صلة بلا استنزاف، وحدود بلا قطيعة، وإحسان بلا استرضاء دائم، قال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، وقال سبحانه: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34].

وهنا أقترح عليكِ بعض الحلول العملية:

• لا تجعلي استرضاءها مشروع حياتكِ؛ فقد حاولتِ التودد إليها، والضحك معها، وتلبية طلباتها، ومع ذلك لم يتغير شيء؛ فلا تربطي راحتكِ النفسية برضاها عنكِ.

• إذا خاصمتكِ دون سبب واضح، فلا تلاحقيها بالأسئلة والاعتذارات حتى تعود إلى الكلام معكِ، بل عامليها بأدب، وألقي عليها السلام، وأدي حقوقها، لكن اتركي لها مساحة دون أن تعيشي في حالة انتظار لتغير مزاجها.

• ليس مطلوبًا أن تتجاهليها تجاهلًا تامًا، أو تتعاملي معها كأنها غير موجودة؛ فهذا قد يتحول إلى قطيعة، لكن يمكنكِ أن تقللي الاحتكاك والمحادثات التي تجلب الأذى، وأن تنصرفي عن الجدال إذا بدأت بالصراخ أو الإهانة.

• إذا رفعت صوتها عليكِ، فقولي بهدوء: أنا مستعدة للتحدث معكِ، لكن ليس بهذه الطريقة، ثم ابتعدي عن الموقف، ولا تدخلي معها في تبادل للصراخ.

• لا تجعلي كلامها ميزانًا لقيمتكِ؛ فقولها إنكِ لا تفقهين شيئًا، أو إن الناس يدوسون عليكِ، لا يحول هذه العبارات إلى حقائق، فأنتِ تعرفين نفسكِ، وتراجعين قراراتكِ بالدليل والعقل، لا بمزاج شخص آخر.

• في مسألة العمل تحديدًا، فقد أحسنتِ برفض أخذ مال ليس لكِ؛ فالمال لا يصبح حلالًا لمجرد أن صاحبه من غير المسلمين، قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188].

• استعيني بشخص تثق به أختكِ؛ فبما أن المشكلة مستمرة منذ سنوات، فلا تحاولي علاجها وحدكِ، بل ابحثي عن قريبة أو شخص أكبر منكما، تثق به أختكِ وتحترم رأيه، وليست مهمته أن يحكم بينكما، وإنما أن يساعدها على إدراك أثر تصرفاتها عليكِ، وأن يفتح بابًا للحوار الهادئ.

• إذا كانت نوبات الغضب والصراخ شديدة ومتكررة إلى درجة تؤثر في حياتها وعلاقاتها؛ فقد يكون من المفيد أن تشجع الأسرة على الاستعانة بمختص نفسي، بطريقة تحفظ كرامتها، دون تشخيصها أو توجيه الاتهامات إليها.

والأهم من ذلك أن تستعيدي أمانكِ النفسي؛ إذ يبدو أن سنوات من التعامل معها جعلتكِ تشكين في نفسكِ، وتخافين من رد فعلها، حتى أصبحتِ تحاولين إرضاءها في كل صغيرة وكبيرة، وهنا تحتاجين إلى التوقف قليلًا، وإدراك أن ليس كل اعتراض منها يعني أنكِ مخطئة، وليس كل غضب منها يعني أنكِ أسأتِ، وليس كل رفض منها لكِ يعني أنكِ لا تستحقين التقدير.

كوني هادئة، وراجعي نفسكِ عندما تخطئين، واعتذري عند الخطأ، لكن لا تعتذري لمجرد إيقاف غضبها، فقد قال النبي ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» متفق عليه، وأكثري من الدعاء لها ولكِ، ومن ذلك قوله تعالى: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه:25]، وقولي: اللهم أصلح ذات بيننا، وألّف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام.

وأما سؤالكِ: هل عليكِ ذنب إذا تعاملتِ معها على أنها غير موجودة اتقاءً لشرها؟

فإن كان المقصود أن تقللي الاحتكاك بها، وتتجنبي مواطن الصدام، مع بقاء السلام، وأداء الحقوق، والمحافظة على القدر المعتاد من صلة الرحم، فلا حرج عليكِ في ذلك -إن شاء الله تعالى-.

أمَّا أن تتعمدي هجرها، وقطع الكلام معها انتقامًا وإيذاءً؛ فهذا أمر آخر، فلا تقطعيها، ولا تستسلمي لها في الوقت نفسه، بل حافظي على الحد الأدنى الكريم من التعامل معها؛ من إلقاء السلام، والسؤال عند الحاجة، والمساعدة فيما تستطيعين، والاحترام، وعدم مقابلة الإساءة بالإساءة، ثم عيشي حياتكِ، ولا تجعلي مزاجها هو الذي يحدد قيمتكِ وراحتكِ.

وأخيرًا: لا تستهيني بأثر هذه السنوات عليكِ؛ فإذا وصلتِ إلى مرحلة كره النفس، وفقدان الثقة، والخوف المستمر؛ فاستعيني بمختصة نفسية موثوقة تساعدكِ على استعادة ثقتكِ بنفسكِ، ووضع حدود مناسبة في التعامل مع الآخرين؛ فهذا من الأخذ بالأسباب، وليس ضعفًا.

نسأل الله تعالى أن يجبر قلبكِ، ويعيد إليكِ ثقتكِ بنفسكِ، ويهدي أختكِ، ويلين قلبها، ويصلح ما بينكما، وأن يعينكِ على صلة رحمكِ مع حفظ نفسكِ من الأذى، وأن يرزقكِ السكينة والقوة والحكمة، آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً