الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول الراجح في نكاح الزانية

السؤال

عندي أخي الأكبر لا يصلي، ويمارس الجنس مع امرأة لا تحل له لعدة سنوات، وكانت هي تنام وتسافر معه، وقد حملت منه، وقامت بعملية إجهاض، واليوم جاء وقال: أريد الزواج منها، ليس لتصحيح الخطأ، أو التوبة، ولكن حبًا لها، فعارضت معارضة شديدة، وقمت أسأل عنها وعن عائلتها، الجميع قالوا لي: إنها عائلة زانية، حتى أمها منحطة، وإلا كيف تسمح لرجل غريب أن يدخل البيت، وينام، ويأكل معهم. والجميع قد نصحوه (الأب والأم والإخوة) بأن يتركها، فعارض بشدة، وغضب، وتركنا وذهب لهم، ثم عاد، وتحت ضغوط بعض أصدقاء السوء، وافق الأب والأم والإخوة، فحلفت ألا أحضر العرس، أو لا أدخل بيتًا هي موجودة فيه، حتى بيت أبي، لأنني أعرف أشياء كثيرة عنها، فهي كانت فاجرة، وما زالت، علمًا أن أخي غني. فما حكم الشرع في ذلك؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن كان الأمر كما ذكرت، فلا يصح هذا النكاح لأنه بين زانيين، والعفة شرط في صحة النكاح على القول الراجح من أقوال أهل العلم، لقوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: فأما تحريم الزانية، فقد تكلم عنه الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، وفيه آثار عن السلف، وإن كان الفقهاء قد تنازعوا فيه، وليس مع من أباحه ما يعتمد عليه. اهـ.

وقال العلامة ابن القيم -رحمة الله عليه-: وأما نكاح الزانية، فقد صرح الله بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من ينكحها إما زان أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه ولم يعتقده فهو مشرك، وإن التزمه واعتقده وجوبه وخالفه، فهو زان، ثم صرح بتحريمه، فقال تعالى: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [النور:3]. اهـ.

وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ونقل عن الإمام أحمد أنه ذهب إلى أنه لا يصح عقد النكاح من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزوج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة، لقوله تعالى: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [النور:3]. اهـ.

ما قمت به من المعارضة والإنكار لهذا الزواج هو الواجب عليك، لأنه منكر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. رواه مسلم.

وحلفك ألا تحضر العرس، ولا تدخل بيتاً هي فيه، مطلوب منك شرعاً، إلا إذا كان في حضورك مصلحة شرعية من دعوة الحاضرين وإرشادهم، وبيان الحق لهم، فلا بأس بذلك إن شاء الله، ونسأل الله عز وجل أن يثيبك ويثبتك على الحق.

وإذا كانت هذه المرأة توجد كثيراً في بيت والديك، بحيث يتعارض بر يمينك مع بر والديك، والقيام بحوائجهما، فكفر عن يمينك، وادخل بيت والديك مع وجودها، لأن بر الوالدين من أوجب الواجبات عليك، وقد جعل الله لك مخرجاً من يمينك وهو الكفارة.

وينبغي إعلام أخيك بالحكم الشرعي، وتذكيره بالتوبة والرجوع إلى الله، وتحذيره من الزواج بهذه المرأة قبل أن تتوب.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني