السؤال
أعمل محاميًا، وقد جاءني موكِّل يطلب مني الدفاع عنه في قضية قتلٍ خطأ، وشرح لي الواقعة كالتالي: أثناء قيادته سيارته أصابته فجأةً حالة إغماء أفقدته وعيه، فقطعت سيارته الطريق المقابل واصطدمت بأخرى، وقد نتج عن الحادث وفاة امرأة مسلمة وجنينها الذي في بطنها. ولما أفاق قيل له إنه هو من ارتكب الحادث وتسبب في القتل.
وقد جاء تقرير الإسعاف، وكذلك التقرير النهائي للمستشفى، يؤكدان إصابته وقت الحادث بحالة إغماء مفاجئ تُسمّى طبيًا «الإغماء الوعائي المبهمي»، وهو ليس مريضًا بالقلب أو السكري أو الضغط، ولا يعاني من أيَّ مرض يسبب الإغماء؛ إذ جاءت الحالة فجأةً وباغتته، فحدث ما حدث. فهل لو دافعت عن هذا الرجل، وحصلت له على حكم بالبراءة، هل عليَّ وزر؟ فأنا أخاف أن يُقضى ببراءته بسبب دفاعي عنه، ولا يُقضى عليه بدية المتوفاة، مع العلم أن السيارة مؤمَّن عليها، ويمكن الحكم على شركة التأمين بدفع الدية.
وبناءً على فتواكم سيكون قبولي أو رفضي للقضية، بمشيئة الله تعالى.
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلا إثم على المحامي في الترافع عن شخص لتبرئته من تعمد الحادث، أو التسبب فيه بتقصير أو تعد، ما دام يغلب على ظنه صحة التقارير الطبية، وأنها غير مزورة، فعامة البيّنات في القضاء مبناها على غلبة الظن، ولا يشترط فيها اليقين.
جاء في الصحيحين عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها.
جاء في شرح الشفا للملا علي القاري: لبناء أحكام شريعته على الظاهر، وغلبة الظن في قضيته ... فإن الحاكم مأمور مكلف بأن يحكم بما يسمع من كلام الخصمين، وبما تقتضيه البينة لا بما في نفس الأمر في القضية، حتى لو حكم المبطل في دعواه بشاهدي زور وفق مدعاه، وظن القاضي عدالتهما، فهو محق في الحكم، وإن لم يكن المحكوم به ثابتًا في نفس الأمر. اهـ.
وأما مسألة الدية، فلا تأثير لها على حكم الترافع، وقد بينت في نظام الدولة أن التأمين هو الذي يتحمل الدية.
وانظر للفائدة الفتاوى: 400429، 111440، 465193.
والله أعلم.