الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد اختلف العلماء المعاصرون في نصاب العملات الورقية المعاصرة، هل يقدّر بالذهب أو بالفضة؟
والمفتى به عندنا أنه يقدر بالأحظّ للفقراء من الذهب أو الفضة.
جاء في الروض المربع شرح زاد المستقنع: (وتقوم) العروض (عند) تمام (الحول بالأحظ للفقراء من عين) أي: ذهب (أو ورق) أي: فضة، فإن بلغت قيمتها نصابًا بأحد النقدين دون الآخر؛ اعتبر ما تبلغ به نصابًا. اهـ.
وجاء في قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي: وجوب زكاة الأوراق النقدية إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان [الذهب والفضة] والعروض المعدّة للتجارة. انتهى من القرار: 6/ ص101.
وهذا ما رجحناه في عدة فتاوى، كالفتويين: 326599، 94761.
فإذا علمت مؤخرًا أنها تقدّر بالفضة -كما هو قول بعض أهل العلم-؛ فلا يجب عليك إخراج الزكاة عن السنوات الماضية التي لم تكن الأوراق النقدية قد بلغت نصاب الذهب؛ لأنك كنت تعمل بقول معتبر، وكنت تجهل القول الآخر.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: من لم يبلغه أمر الرسول في شيء معين، لم يثبت حكم وجوبه عليه، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر وعمارًا لما أجنبا فلم يصل عمر وصلى عمار بالتمرغ أن يعيد واحد منهما، وكذلك لم يأمر أبا ذر بالإعادة لما كان يجنب ويمكث أيامًا لا يصلي، وكذلك لم يأمر من أكل من الصحابة حتى يتبين له الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء، كما لم يأمر من صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء. اهـ.
وقال أيضًا في مجموع الفتاوى -بعد الكلام على الخلاف في مسائل مشابهة-: والصواب في هذا الباب كله: أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم، وأنه لا يقضي ما لم يعلم وجوبه، فقد ثبت في الصحيح أن من الصحابة من أكل بعد طلوع الفجر في رمضان حتى تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء، ومنهم من كان يمكث جنبًا مدة لا يصلي، ولم يكن يعلم جواز الصلاة بالتيمم -كأبي ذر، وعمر بن الخطاب، وعمار لما أجنب، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا منهم بالقضاء، ولا شك أن خلقًا من المسلمين بمكة والبوادي صاروا يصلون إلى بيت المقدس حتى بلغهم النسخ ولم يؤمروا بالإعادة. ومثل هذا كثير.
وهذا يطابق الأصل الذي عليه السلف والجمهور: أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فالوجوب مشروط بالقدرة، والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور، أو فعل محظور بعد قيام الحجة. اهـ.
وعليه؛ فإذا كنت تريد أن تأخذ بالقول بتقدير النصاب بالفضة؛ فلتبدأ بالعمل به من جديد، ولا يلزمك شيء عما مضى من السنوات التي لم تكن تعتقد وجوب الزكاة فيها، كما ذكر ذلك الشيخ ابن عثيمين في مسألة مشابهة لها في مجموع فتاوى ورسائل العثيمين: فقد سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى- عن امرأة لم تعلم بوجوب زكاة الحلي إلا قريباً، فهل تخرج زكاة ما مضى من السنوات؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أنه لا يجب عليها زكاة ما مضى؛ لأن المعروف في هذه البلاد، والمفتى به هو المشهور من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- والمشهور من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- أنه لا زكاة في الحلي المعدّ للاستعمال أو العارية، وعلى هذا؛ فلا يجب عليها زكاة ما مضى، ولكن يجب عليها الزكاة عن هذا العام، الذي علمت فيه أن الزكاة واجبة في الحلي، وعمّا يستقبل من الأعوام؛ لأن القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة: أن الزكاة واجبة في الحلي، وإن كان مستعملاً. والله الموفق. اهـ.
وأما إذا كانت عليك ديون مقسطة؛ فإن جمهور الفقهاء على أن الدين يخصم من الزكاة، ثم يزكى ما بقي بعد ذلك إن كان يبلغ النصاب.
وأما المبلغ الذي ذكرت أنه أعطي لابنتك هدية؛ فهذا مالها، لا تضمه لمالك. وإن بلغ نصابًا وحال حوله؛ فلتزكه عنها؛ لأن الصحيح من أقوال أهل العلم وجوب إخراج الزكاة في مال الصبي، وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وجابر، وعائشة رضي الله عنهم، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد.
ويدل لصحة هذا القول عموم قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة: 103]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذاً إلى اليمن: أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم. رواه البخاري. وفي حديث عمرو بن شعيب: من ولي يتيمًا له مال، فليتجر به، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة. أخرجه الترمذي.
وفي الموطأ: أن عمر بن الخطاب قال: اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة.
أما سؤالك عن مبلغ التأمين الصحي، فهو غير واضح.
وانظر لمزيد من الفائدة الفتويين: 400156، 364411.
والله أعلم.