الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            منتقى الأخبار كِتَابُ الشُّفْعَةِ عَنْ جَابِرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَفِي لَفْظٍ : { إنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ } الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي لَفْظٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ) . 2452 - ( وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا قُسِمَتْ الدَّارُ وَحُدَّتْ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ ) 2453 - ( وَعَنْ جَابِرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ : رَبْعَةٌ أَوْ حَائِطٌ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، فَإِنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد ) نيل الأوطار حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ قَوْلُهُ : ( قَضَى بِالشُّفْعَةِ ) قَالَ فِي الْفَتْحِ الشُّفْعَةُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَغَلَّطَ مَنْ حَرَّكَهَا وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ لُغَةً مِنْ الشَّفْعِ : وَهُوَ الزَّوْجُ ، وَقِيلَ : مِنْ الزِّيَادَةِ ، وَقِيلَ : مِنْ الْإِعَانَةِ وَفِي الشَّرْعِ : انْتِقَالُ حِصَّةِ شَرِيكٍ إلَى شَرِيكٍ كَانَتْ انْتَقَلَتْ إلَى أَجْنَبِيٍّ بِمِثْلِ الْعِوَضِ الْمُسَمَّى ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا إلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ مِنْ إنْكَارِهَا ا هـ قَوْلُهُ : ( فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ ) ظَاهِرُ هَذَا الْعُمُومِ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالْجَمَادِ الْمَنْقُولِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ الْعِتْرَةُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ : ( فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ ) أَيْ : حَصَلَتْ قِسْمَةُ الْحُدُودِ فِي الْمَبِيعِ وَاتَّضَحَتْ بِالْقِسْمَةِ مَوَاضِعُهَا قَوْلُهُ : ( وَصُرِفَتْ ) بِضَمِّ الصَّادِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ، وَقِيلَ : بِتَشْدِيدِهَا : أَيْ : بُيِّنَتْ مَصَارِفُهَا وَكَأَنَّهُ مِنْ التَّصْرِيفِ أَوْ التَّصَرُّفِ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : مَعْنَاهُ خَلَصَتْ وَبَانَتْ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الصِّرْفِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ : وَهُوَ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ صُرِفَ عَنْهُ الْخَلْطُ ، فَعَلَى هَذَا صُرِفَ مُخَفَّفُ الرَّاءِ وَعَلَى الْأَوَّلِ : أَيْ التَّصْرِيفِ وَالتَّصَرُّفِ مُشَدَّدٌ قَوْلُهُ : ( فَلَا شُفْعَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ : إنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْخُلْطَةِ لَا بِالْجِوَارِ وَقَدْ حَكَى فِي الْبَحْرِ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْإِمَامِيَّةِ وَحَكَى فِي الْبَحْرِ أَيْضًا عَنْ الْعِتْرَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ سِيرِينَ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ بِالْجِوَارِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِمَا قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ إنَّ قَوْلَهُ " إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ . . . إلَخْ " مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِهِ ، وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يَثْبُتَ الْإِدْرَاجُ بِدَلِيلٍ ، وَوُرُودُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ الْإِدْرَاجِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَاسْتَدَلَّ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ عَلَى الْإِدْرَاجِ بِعَدَمِ إخْرَاجِ مُسْلِمٍ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ يَقْتَصِرُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ عَلَى ذِكْرِ بَعْضِ الْحَدِيثِ ، وَالْحُكْمُ لِلزِّيَادَةِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْرَجَهَا مِثْلُ الْبُخَارِيِّ ، عَلَى أَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي ادَّعَى أَهْلُ الْقَوْلِ الثَّانِي إدْرَاجَهَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ ، وَلَا تَفَاوُتَ إلَّا بِكَوْنِ دَلَالَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِالْمَنْطُوقِ وَالْآخَرِ بِالْمَفْهُومِ وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْقَوْلِ الثَّانِي بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ بِالْجِوَارِ كَحَدِيثِ سَمُرَةَ وَالشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْد وَأَبِي رَافِعٍ وَجَابِرٍ وَسَتَأْتِي وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْقَاضِيَةُ بِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِمُطْلَقِ الشَّرِيكِ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ مِنْ قَوْلِهِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ وَكَمَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْآتِي فَلَا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ إذْ لَا شَرِكَةَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَقَدْ أَجَابَ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَنْ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْجَارُ الْأَخَصُّ وَهُوَ الشَّرِيكُ الْمُخَالِطُ ; لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَارَبَ شَيْئًا يُقَالُ لَهُ جَارٌ ، كَمَا قِيلَ لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ جَارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُخَالَطَةِ ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ إنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ مَا يَقْتَضِي تَسْمِيَةَ الشَّرِيكِ جَارًا قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : ظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ الْآتِي أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ بَيْتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ سَعْدٍ لَا شِقْصًا شَائِعًا مِنْ مَنْزِلِ سَعْدٍ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ أَنَّ سَعْدًا كَانَ اتَّخَذَ دَارَيْنِ بِالْبَلَاطِ مُتَقَابِلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ ، وَكَانَتْ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْمَسْجِدِ مِنْهُمَا لِأَبِي رَافِعٍ فَاشْتَرَاهَا سَعْدٌ مِنْهُ ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ الْآتِيَ ، فَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ سَعْدًا كَانَ جَارًا لِأَبِي رَافِعٍ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ دَارِهِ لَا شَرِيكًا ، كَذَا قَالَ الْحَافِظُ وَقَالَ أَيْضًا : إنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ الْقَائِلِينَ بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ أَنْ يَقُولُوا بِشُفْعَةِ الْجَارِ ، لِأَنَّ الْجَارَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُجَاوِرِ مَجَازٌ فِي الشَّرِيكِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ ، وَقَدْ قَامَتْ الْقَرِينَةُ هُنَا عَلَى الْمَجَازِ فَاعْتُبِرَ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيْ جَابِرٍ وَأَبِي رَافِعٍ ، فَحَدِيثُ جَابِرٍ صَرِيحٌ فِي اخْتِصَاصِ الشُّفْعَةِ بِالشَّرِيكِ ، وَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ مَصْرُوفُ الظَّاهِرِ اتِّفَاقًا ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْجَارُ أَحَقَّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى مِنْ الشَّرِيكِ ، وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ قَدَّمُوا الشَّرِيكَ مُطْلَقًا ، ثُمَّ الْمُشَارِكَ فِي الشِّرْبِ ، ثُمَّ الْمُشَارِكَ فِي الطَّرِيقِ ، ثُمَّ الْجَارَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُجَاوِرٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ : أَيْ : الْجَارُ أَحَقُّ مِنْ الْمُشْتَرِي الَّذِي لَا جِوَارَ لَهُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْجَارُ الْمُجَاوِرُ وَاَلَّذِي أَجَرْتَهُ مِنْ أَنْ يُظْلَمَ وَالْمُجِيرُ وَالْمُسْتَجِيرُ وَالشَّرِيكُ فِي التِّجَارَةِ وَزَوْجُ الْمَرْأَةِ وَمَا قَرُبَ مِنْ الْمَنَازِلِ وَالْحَلِيفُ وَالنَّاصِرُ ا هـ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَارَ الْمَذْكُورَ فِي الْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ إنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى الشَّرِيكِ فِي الشَّيْءِ وَالْمُجَاوِرِ لَهُ بِغَيْرِ شَرِكَةٍ كَانَتْ مُقْتَضِيَةً بِعُمُومِهَا لِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لَهُمَا جَمِيعًا وَحَدِيثُ جَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَانِ يَدُلَّانِ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ الَّذِي لَا شَرِكَةَ لَهُ فَيُخَصِّصَانِ عُمُومَ أَحَادِيثِ الْجَارِ ، وَلَكِنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا حَدِيثُ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْد ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : " لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شِرْكٌ وَلَا قَسْمٌ إلَّا الْجِوَارَ " مُشْعِرٌ بِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِمُجَرَّدِ الْجِوَارِ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ سَمُرَةَ لِقَوْلِهِ فِيهِ { جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ } فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْجِوَارَ الْمَذْكُورَ جِوَارٌ لَا شَرِكَةَ فِيهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ لَا يَصْلُحَانِ لِمُعَارَضَةِ مَا فِي الصَّحِيحِ ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي بِلَفْظِ " إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا " فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِوَارَ لَا يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِلشُّفْعَةِ إلَّا مَعَ اتِّحَادِ الطَّرِيقِ لَا بِمُجَرَّدِهِ وَلَا عُذْرَ لِمَنْ قَالَ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنْ هَذَا إنْ قَالَ بِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ قَالَ بِهَذَا ، أَعْنِي : ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ مَعَ اتِّحَادِ الطَّرِيقِ ، بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ شَرْعِيَّةَ الشُّفْعَةِ إنَّمَا هِيَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ ، وَهُوَ إنَّمَا يَحْصُلُ فِي الْأَغْلَبِ مَعَ الْمُخَالَطَةِ فِي الشَّيْءِ الْمَمْلُوكِ أَوْ فِي طَرِيقِهِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى جَارٍ لَمْ يُشَارِكْ فِي أَصْلٍ وَلَا طَرِيقٍ إلَّا نَادِرًا ، وَاعْتِبَارُ هَذَا النَّادِرِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ مَعَ عَدَمِ الْمُلَاصَقَةِ ; لِأَنَّ حُصُولَ الضَّرَرِ لَهُ قَدْ يَقَعُ فِي نَادِرِ الْحَالَاتِ كَحَجْبِ الشَّمْسِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ الَّتِي يُتَأَذَّى بِهَا وَرَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَسَمَاعِ بَعْضِ الْمُنْكَرَاتِ ، وَلَا قَائِلَ بِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِمَنْ كَانَ كَذَلِكَ ، وَالضَّرَرُ النَّادِرُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ الْأَحْكَامَ بِالْأُمُورِ الْغَالِبَةِ ، فَعَلَى فَرْضِ أَنَّ الْجَارَ لُغَةً لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى مَنْ كَانَ مُلَاصِقًا غَيْرَ مُشَارِكٍ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْجِوَارِ بِاتِّحَادِ الطَّرِيقِ ، وَمُقْتَضَاهُ : أَنْ لَا تَثْبُتَ الشُّفْعَةُ بِمُجَرَّدِ الْجِوَارِ وَهُوَ الْحَقُّ وَقَدْ زَعَمَ صَاحِبُ الْمَنَارِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ تَقْتَضِي ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَالشَّرِيكِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا وَوَجَّهَ حَدِيثَ جَابِرٍ بِتَوْجِيهٍ بَارِدٍ ، وَالصَّوَابُ مَا حَرَّرْنَاهُ قَوْلُهُ : ( فِي كُلِّ شَرِكَةٍ ) فِي مُسْلِمٍ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد " فِي كُلِّ شِرْكٍ " وَهُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ مِنْ أَشْرَكْتَهُ فِي الْبَيْعِ إذَا جَعَلْتَهُ لَكَ شَرِيكًا ، ثُمَّ خُفِّفَ الْمَصْدَرُ بِكَسْرِ الْأَوَّلِ وَسُكُونِ الثَّانِي ، فَيُقَالُ : شِرْكٌ وَشِرْكَةٌ كَمَا يُقَالُ كِلْمٌ وَكِلْمَةٌ قَوْلُهُ : ( رَبْعَةٌ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ تَأْنِيثُ رَبْعٍ : وَهُوَ الْمَنْزِلُ الَّذِي يَرْتَبِعُونَ فِيهِ فِي الرَّبِيعِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الدَّارُ وَالْمَسْكَنُ قَوْلُهُ : لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ . . . إلَخْ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الشَّرِيكِ إذَا أَرَادَ الْبَيْعَ أَنْ يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ وَقَدْ حَكَى مِثْلَ ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ : الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَحْرُمُ الْبَيْعُ قَبْلَ الْعَرْضِ عَلَى الشَّرِيكِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَلَمْ أَظْفَرْ بِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَا مَحِيدَ عَنْهُ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عَرْضَ الْحَائِطِ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ : إنَّهُ صَرَّحَ بِهِ الْفَارِقِيُّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ : إنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى النَّدْبِ وَكَرَاهَةِ تَرْكِ الْإِعْلَامِ ، قَالُوا : ; لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى الْمَكْرُوهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَلَالٍ ، وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ اسْمُ الْحَلَالِ مُخْتَصًّا بِمَا كَانَ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ وَاجِبًا وَهُوَ مَمْنُوعٌ ، فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مِنْ أَقْسَامِ الْحَلَالِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ قَوْلُهُ : ( فَإِنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يُؤْذِنْهُ شَرِيكُهُ بِالْبَيْعِ ، وَأَمَّا إذَا أَعْلَمَهُ الشَّرِيكُ بِالْبَيْعِ فَأَذِنَ فِيهِ فَبَاعَ ثُمَّ أَرَادَ الشَّرِيكُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشُّفْعَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْهَادَوِيَّةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْبَتِّيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشُّفْعَةِ وَلَا يَكُونُ مُجَرَّدُ الْإِذْنِ مُبْطِلَهَا وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَكَمُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْإِذْنِ مِنْهُ بِالْبَيْعِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَدَلِيلُ الْآخَرِينَ مَفْهُومُ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ مَعَ الْإِيذَانِ مِنْ الْبَائِعِ وَدَلِيلُ الْأَوَّلِينَ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي شُفْعَةِ الشَّرِيكِ وَالْجَارِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ وَهِيَ مَنْطُوقَاتٌ لَا يُقَاوِمُهَا ذَلِكَ الْمَفْهُومُ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ الْمَذْكُورَ صَالِحٌ لِتَقْيِيدِ تِلْكَ الْمُطْلَقَاتِ عِنْدَ مَنْ عَمِلَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَالتَّرْجِيحُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ ، وَقَدْ أَمْكَنَ هَاهُنَا بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ 2454 - ( وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالشُّفْعَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي الْأَرَضِينَ وَالدُّورِ } رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ ، وَيَحْتَجُّ بِعُمُومِهِ مَنْ أَثْبَتَهَا لِلشَّرِيكِ فِيمَا تَضُرُّهُ الْقِسْمَةُ ) . 2455 - ( وَعَنْ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ مِنْ غَيْرِهِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ) . 2456 - ( وَعَنْ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْد قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْضٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شِرْكٌ وَلَا قَسْمٌ إلَّا الْجِوَارُ ؟ فَقَالَ : الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا كَانَ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مُخْتَصَرُ { الشَّرِيكِ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا كَانَ } ) . حَدِيثُ عُبَادَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ عَنْ عُبَادَةَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ ، وَتَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْأَرْضِ وَالدَّارِ كَحَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ ، وَكَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : { الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ } وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّهُ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِرُوَاتِهِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ، وَيَشْهَدُ لِحَدِيثِ عُبَادَةَ أَيْضًا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي خُصُوصِ الْأَرْضِ كَحَدِيثِ شَرِيدِ بْنِ سُوَيْد الْمَذْكُورِ وَفِي خُصُوصِ الدَّارِ كَحَدِيثِ سَمُرَةَ الْمَذْكُورِ أَيْضًا وَهَكَذَا تَشْهَدُ لَهُ الْأَحَادِيثُ الْقَاضِيَةُ بِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ عَلَى الْعُمُومِ وَحَدِيثُ سَمُرَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ ، وَفِي سَمَاعِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ قَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ وَالطَّحَاوِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالضِّيَاءُ عَنْ أَنَسٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْد بِلَفْظِ حَدِيثِ سَمُرَةَ الْمَذْكُورِ ، وَحَدِيثُ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْد أَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالطَّيَالِسِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ فِي الْمَعَالِمِ : إنَّ حَدِيثَ { الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ } لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ ، وَتَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَاضْطِرَابِ الرُّوَاةِ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، وَأَرْسَلَهُ بَعْضُهُمْ وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ فِي نَقِيضِهِ أَسَانِيدُهَا جِيَادٌ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا اضْطِرَابٌ . قَوْلُهُ : ( جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ ) قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : هَذِهِ اللَّفْظَةُ تُسْتَعْمَلُ فِيمَنْ لَا يَكُونُ غَيْرُهُ أَحَقُّ مِنْهُ ، وَالشَّرِيكُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ غَيْرُهُ أَحَقُّ مِنْهُ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْقَائِلُونَ بِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى تَعَهُّدِهِ بِالْإِحْسَانِ وَالْبِرِّ بِسَبَبِ قُرْبِ دَارِهِ ، كَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَلَا يَخْفَى بُعْدَهُ ، وَلَكِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ اتِّحَادِ الطَّرِيقِ وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ بِمُجَرَّدِ الْجِوَارِ قَوْلُهُ : ( أَحَقُّ بِسَقَبِهِ ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ، وَيُقَالُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْقَافِ وَإِسْكَانُهَا وَهُوَ الْقُرْبُ وَالْمُجَاوَرَةُ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْقَائِلُونَ بِثُبُوتِ شُفْعَةِ الْجَارِ وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ بِمَا سَلَفَ قَالَ الْبَغَوِيّ : لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الشُّفْعَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الشُّفْعَةُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِالْبِرِّ وَالْمَعُونَةِ ا هـ . وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا الْحَمْلِ لَا سِيَّمَا بَعْدَ قَوْلِهِ : " لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شِرْكٌ " وَالْأَوْلَى الْجَوَابُ بِحَمْلِ هَذَا الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ الْآتِي مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ لَا يُقَالُ : إنَّ نَفْيَ الشِّرْكِ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اتِّحَادِ الطَّرِيقِ فَلَا يَصِحُّ تَقْيِيدُهُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي ; لِأَنَّا نَقُولُ : إنَّمَا نَفَى الشِّرْكَ عَنْ الْأَرْضِ لَا عَنْ طَرِيقِهَا ، وَلَوْ سَلِمَ عَدَمُ صِحَّةِ التَّقَيُّدِ بِاتِّحَادِ الطَّرِيقِ فَأَحَادِيثُ إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ بِالْجِوَارِ مُخَصَّصَةٌ بِمَا سَلَفَ ، وَلَوْ فُرِضَ عَدَمُ صِحَّةِ التَّخْصِيصِ لِلتَّصْرِيحِ بِنَفْيِ الشَّرِكَةِ فَهِيَ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَقَالِ لَا تَنْتَهِضُ لِمُعَارَضَةِ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِنَفْيِ شُفْعَةِ الْجَارِ الَّذِي لَيْسَ بِمُشَارِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ 2457 - ( وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ : وَقَفْت عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ثُمَّ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ ، فَقَالَ سَعْدٌ : وَاَللَّهِ مَا أَبْتَاعُهَا ، فَقَالَ الْمِسْوَرُ : وَاَللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهَا ، فَقَالَ سَعْدٌ : وَاَللَّهِ مَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةٍ أَوْ مُقَطَّعَةٍ ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ : لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ ، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ } مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ ، فَأَعْطَاهَا إيَّاهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ) قَوْلُهُ : ( ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ ) بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ أَيْ الْبَيْتَيْنِ الْكَائِنَيْنِ فِي دَارِكَ قَوْلُهُ : ( فَقَالَ الْمِسْوَرُ ) فِي رِوَايَةٍ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَأَلَ الْمِسْوَرَ أَنْ يُسَاعِدَهُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : ( مُنَجَّمَةٍ أَوْ مُقَطَّعَةٍ ) شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي ، وَالْمُرَادُ مُؤَجَّلَةٌ عَلَى أَقْسَاطٍ مَعْلُومَةٍ قَوْلُهُ : ( أَرْبَعَةُ آلَافٍ ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ تَرْكِ الْحِيَلِ مِنْ صَحِيحِهِ " أَرْبَعَمِائَةِ مِثْقَالٍ " وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِثْقَالَ إذْ ذَاكَ كَانَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْعَرْضِ عَلَى الشَّرِيكِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَفِيهِ أَيْضًا ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ بِالْجِوَارِ ، وَقَدْ سَلَفَ بَيَانُهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَمَعْنَى الْخَبَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّمَا هُوَ الْحَثُّ عَلَى عَرْضِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْبَيْعِ عَلَى الْجَارِ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الزَّبُونِ كَمَا فَهِمَهُ الرَّاوِي فَإِنَّهُ أَعْرَفُ بِمَا سَمِعَ ا هـ الزَّبْنُ : الدَّفْعُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَعَلَى بَيْعُ الْمَجْهُولِ بِالْمَجْهُولِ مِنْ جِنْسِهِ ، وَعَلَى بَيْعِ الْمُغَابَنَةِ فِي الْجِنْسِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ الْغَبْنُ ، أَفَادَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي الْقَامُوسِ

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية