الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " وإن كان على زوجها دين لم يبع مسكنها حتى تنقضي عدتها وذلك أنها ملكت عليه سكنى ما يخفيها حين طلقها كما يملك من يكتري " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال : لأن حقها في السكنى متعلق بذمته ، وفي عين مسكنه فكان أوكد من الديون المختصة بذمته فلم يجز لأجل ذلك أن يباع مسكنها في دينه قبل انقضاء عدتها ، فإن باعه في دين أو غير دين نظر حال العدة ، فإن كانت مجهولة المدة لكونها حاملا أو من ذوات الأقراء فالبيع باطل : لأن الجهل بسكنى المدة المستحقة مفض إلى الجهل بثمن المبيع فصار به البيع باطلا ، وإن كانت معلومة المدة لكونها بالشهور فصارت سكناها مستحقة في العدة كاستحقاقها في الإجارة ، وقد اختلف قول الشافعي في بيع الدار المؤاجرة على قولين : أحدهما : باطل فعلى هذا بيعها في العدة أولى أن يكون باطلا . والقول الثاني : أن بيعها في الإجارة جائز ، فعلى هذا في بيعها إذا استحقت في العدة ثلاثة أوجه : أحدها : وهو قول متقدمي أصحابنا : بيعها جائز في العدة لجوازه في الإجارة . الوجه الثاني : وهو قول أبي إسحاق المروزي أن بيعها لا يجوز في العدة وإن جاز في الإجارة : لأن المعتدة قد تموت فيعود السكنى إليه فيصير في حكم من باع دارا واستثنى سكناها لنفسه ، ولو فعل ذلك كان البيع باطلا فكذلك ما أفضى إليه وصار بخلاف موت المستأجر الذي لا يقتضي عود السكنى إليه . والوجه الثالث : وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه إن كانت المعتدة ممن يجوز أن تنتقل عدتها من الشهور إلى الأقراء لكونها مراهقة يجوز أن يتعجل حيضها ومؤيسة يجوز أن يعود الحيض إليها فالبيع باطل : لأن المدة تتردد بين الجهالة والعلم : وإن لم يجز أن تنتقل من الشهور إلى الأقراء لكونها صغيرة لا يجوز أن تحيض قبل شهور عدتها كان البيع جائزا كالإجارة ، وليس لما ذكر من الفرق بينهما بحدوث الموت وجه : لأن أحكام العقود محمولة على السلامة كما تحمل إجارة الدار والعبد على الصحة اعتبارا بالسلامة ، وإن جاز أن تبطل بانهدام الدار وموت العبد .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية