الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
التاسع : أن يقال : ذكر العين المفردة مضافة إلى الضمير المفرد ، والأعين مجموعة مضاف إلى ضمير الجمع ، وذكر العين مفردة لا يدل على أنها عين واحدة ليس إلا كقولك : أفعل هذا على عيني وأحبك على عيني ، ولا يريد أن له عينا واحدة ، وإنما إذا أضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهرا ومضمرا ، فالأحسن جمعه مشاكلة للفظ ، كقوله : ( تجري بأعيننا ) وقوله : ( واصنع الفلك بأعيننا ) وهذا نظير [ ص: 38 ] المشاكلة في لفظ اليد المضافة إلى المفرد : ( بيده الملك ) ( بيدك الخير ) وإن أضيفت إلى ضمير جمع جمعت : كقوله : ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما ) وكذلك إضافة اليد والعين إلى اسم الجمع الظاهر كقوله : ( بما كسبت أيدي الناس ) وقوله : ( فأتوا به على أعين الناس ) .

وقد نطق الكتاب والسنة بذكر اليد مضافة إليه بلفظ مفردة ، مجموعة ومثناة ، وبلفظ العين مضافة إليه مفردة ومجموعة ، ونطقت السنة بإضافتها إليه مثناة كما قال عطاء عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن العبد إذا قام في الصلاة قام بين عيني الرحمن ، فإذا التفت قال له ربه : إلى من تلفت ، إلى خير لك مني " ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن ربكم ليس بأعور " صريح بأنه ليس المراد إثبات عين واحدة ، فإن ذلك عور ظاهر ، تعالى الله عنه ، وهل يفهم من قول الداعي : " اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام " أنها عين واحدة ليس إلا إلا ذهن أقلف وقلب أغلف .

قال ابن تميم : حدثنا عبد الجبار بن كثير قال : قيل لإبراهيم بن أدهم : هذا السبع ، فنادى يا قسورة إن كنت أمرت فينا بشيء وإلا بعيني فاذهب ، فضرب بذنبه وولى مدبرا ، فنظر إبراهيم إلى أصحابه وقال : قولوا : اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام ، واكنفنا بكنفك الذي لا يرام ، وارحمنا بقدرتك علينا ، لا نهلك وأنت الرجاء . وقال عثمان الدارمي : الأعور ضد البصير بالعينين .

[ ص: 39 ] وقد استدل السلف على إثبات العينين له تعالى بقوله : ( تجري بأعيننا ) ، وممن صرح بذلك إثباتا واستدلالا أبو الحسن الأشعري في كتبه كلها ، فقال في كتاب المقالات والإبانة ، والموجز ، وهذا لفظه فيها : وأن له عينين بلا كيف كما قال : ( تجري بأعيننا ) فهذا الأشعري وغيره لم يفهموا من الأعين أعينا كثيرة ، ولا من الأيدي أياد كثيرة على شق واحد .

ولما رد أهل السنة تأويل الجاهلين لم يقدر الجهمية على أخذ الثأر منهم إلا بأن سموهم مشبهة ، ممثلة ، مجسمة ، حشوية ، ولو كان لهؤلاء عقول لعلموا أن التلقيب بهذه الألقاب ليس لهم ، وإنما هو لمن جاء بهذه النصوص وتكلم بها ، ودعا الأمة إلى الإيمان بها ، ونهاهم عن تحريفها وتبديلها ، ولو كان خصومكم كما زعمتم وحاشاهم مشبهة ممثلة مجسمة لكانوا أقل تنقصا لرب العالمين منكم وكتابه وأسمائه وصفاته بكثير ، لو كان قولهم يقتضي التنقيص ، فكيف وهو لا يقتضيه لو صرحوا به فإنهم يقولون : نحن أثبتنا له غاية الكمال ونعوت الجلال ووصفناه بكل صفة كمال ، فإن لزم من هذا تجسيم وتشبيه لم يكن هذا نقضا ولا عيبا بوجه من الوجوه ، فإن لازم الحق حق ، وما لزم من إثبات كمال الرب ليس بنقص .

وأما أنتم فنفيتم عنه صفات الكمال ، ولا ريب أن لازم هذا النفي وصفه بأضدادها من العيوب والنقائص ، فما سوى الله ولا رسوله ولا عقلاء عباده بين من نفى كماله المقدس حذرا من التجسيم ، وبين من أثبت كماله الأعظم وصفاته العلى بلوازم ذلك ، كائنة ما كانت .

فلو فرضنا في هذه الأمة من يقول : له سمع كسمع المخلوق وبصر كبصره ويد كيده ، لكان أدنى إلى الحق ممن يقول : لا سمع ولا بصر ولا يد ، ولو فرضنا قائلا يقول : إنه متحيز على عرشه ، تحيط به الحدود والجهات لكان أقرب إلى الصواب من قول من يقول : ليس فوق العرش إله يعبد ولا ترفع إليه الأيدي ولا يصعد إليه شيء ، ولا هو فوق خلقه ولا محايثهم ولا مباينهم ، فإن هذا معطل مكذب لله راد على الله ورسوله ، وذلك المشبه غالط مخطئ في فهمه ، فالمشبه على زعمكم الكاذب لم يشبهه تنقصا له وجحدا لكماله ، بل ظنا أن إثبات الكمال لا يمكن إلا بذلك ، فقابلتموه بتعطيل كماله ، وذلك غاية التنقيص .

التالي السابق


الخدمات العلمية