الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      الفرع الثاني : اختلف العلماء في عدة المختلعة : فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تعتد بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض ، كعدة المطلقة منهم : مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق بن راهويه في الرواية المشهورة عنهما ، وروي ذلك عن عمر ، وعلي ، وابن عمر ، وبه يقول سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وعروة ، وسالم ، وأبو سلمة ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن شهاب ، والحسن ، والشعبي ، وإبراهيم النخعي ، وأبو عياض ، وخلاس بن عمرو ، وقتادة ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأبو العبيد .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الترمذي : وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم ، ومأخذهم في هذا : أن الخلع طلاق فتعتد كسائر المطلقات ، قاله ابن كثير .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مقيده عفا الله عنه : وكون الخلع طلاقا ظاهر من جهة المعنى ، لأن العوض المبذول للزوج من جهتها إنما بذلته في مقابلة ما يملكه الزوج ، وهو الطلاق ; لأنه لا يملك لها فراقا شرعا إلا بالطلاق ، فالعوض في مقابلته . ويدل له ما أخرجه البخاري في قصة مخالعة ثابت بن قيس زوجه من حديث ابن عباس : " أن امرأة ثابت بن قيس ، أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، ثابت بن قيس ما أعتب عليه من خلق ولا دين ، ولكني [ ص: 146 ] أكره الكفر في الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتردين عليه حديقته ؟ " قالت : نعم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " فإن قوله صلى الله عليه وسلم : " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " ، فيه دليل على أن العوض مبذول في الطلاق الذي هو من حق الزوج ، وقول البخاري عقب سوقه للحديث المذكور .

                                                                                                                                                                                                                                      قال أبو عبد الله : لا يتابع فيه عن ابن عباس . لا يسقط الاحتجاج به ; لأن مراده أن أزهر بن جميل لا يتابعه غيره في ذكر ابن عباس في هذا الحديث ، بل أرسله غيره ومراده بذلك : خصوص طريق خالد الحذاء ، عن عكرمة ، ولهذا عقبه برواية خالد وهو ابن عبد الله الطحان عن خالد ، وهو الحذاء عن عكرمة مرسلا ، ثم برواية إبراهيم بن طهمان ، عن خالد الحذاء مرسلا ، وعن أيوب موصولا . ورواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب الموصولة ، وصلها الإسماعيلي ، قاله الحافظ في " الفتح " ، فظهر اعتضاد الطرق المرسلة بعضها ببضع ، وبالطرق الموصولة .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله في رواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب الموصولة وأمره ففارقها يظهر فيها أن مراده بالفراق الطلاق في مقابلة العوض ; بدليل التصريح في الرواية الأخرى بذكر التطليقة ، والروايات بعضها يفسر بعضا ، كما هو معلوم في علوم الحديث .

                                                                                                                                                                                                                                      وما ذكره بعض العلماء من أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق لا يكون طلاقا ، وإنما يكون فسخا فهو بعيد ولا دليل عليه . والكتاب والسنة يدلان على أن المفارقة بلفظ الطلاق طلاق لا فسخ . والاستدلال على أنه فسخ بإيجاب حيضة واحدة في عدة المختلعة فيه أمران : أحدهما : ما ذكرنا آنفا من أن أكثر أهل العلم على أن المختلعة تعتد عدة المطلقة ثلاثة قروء .

                                                                                                                                                                                                                                      الثاني : أنه لا ملازمة بين الفسخ والاعتداد بحيضة ، ومما يوضح ذلك أن الإمام أحمد وهو ، رحمه الله تعالى يقول في أشهر الروايتين عنه : إن الخلع فسخ لا طلاق ، ويقول في أشهر الروايتين عنه أيضا : إن عدة المختلعة ثلاثة قروء كالمطلقة ، فظهر عدم الملازمة عنده ، فإن قيل هذا الذي ذكرتم يدل على أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق كان طلاقا ، ولكن إذا لم يصرح بالطلاق في الخلع فلا يكون الخلع طلاقا ، فالجواب : أن مرادنا بالاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم : " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " : أن الطلاق المأمور به [ ص: 147 ] من قبله - صلى الله عليه وسلم - هو عوض المال إذ لا يملك الزوج من الفراق غير الطلاق . فالعوض مدفوع له عما يملكه كما يدل له الحديث المذكور دلالة واضحة .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال بعض العلماء : تعتد المختلعة بحيضة ، ويروى هذا القول عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، وعبد الله بن عمر ، والربيع بنت معوذ ، وعمها ، وهو صحابي وأخرجه أصحاب السنن ، والطبراني مرفوعا والظاهر أن بعض أسانيده أقل درجاتها القبول ، وعلى تقدير صحة الحديث بذلك فلا كلام . ولو خالف أكثر أهل العلم وقد قدمنا عدم الملازمة بين كونه فسخا ، وبين الاعتداد بحيضة فالاستدلال به عليه لا يخلو من نظر ، وما وجهه به بعض أهل العلم من أن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة ويتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة ، فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل . وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء لا يخلو من نظر أيضا ; لأن حكمة جعل العدة ثلاثة قروء ليست محصورة في تطويل زمن الرجعة ، بل الغرض الأعظم منها : الاحتياط لماء المطلق حتى يغلب على الظن بتكرر الحيض ثلاث مرات ، أن الرحم لم يشتمل على حمل منه . ودلالة ثلاث حيض على ذلك أبلغ من دلالة حيضة واحدة ، ويوضح ذلك أن الطلقة الثالثة لا رجعة بعدها إجماعا .

                                                                                                                                                                                                                                      فلو كانت الحكمة ما ذكر لكانت العدة من الطلقة الثالثة حيضة واحدة ، وما قاله بعض العلماء من أن باب الطلاق جعل حكمه واحدا فجوابه أنه لم يجعل واحدا إلا لأن الحكمة فيه واحدة ، ومما يوضح ذلك أن المطلق قبل الدخول لا عدة له على مطلقته إجماعا ، بنص قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها [ 33 \ 49 ] ، مع أنه قد يندم على الطلاق كما يندم المطلق بعد الدخول ، فلو كانت الحكمة في الاعتداد بالأقراء مجرد تمكين الزوج من الرجعة ، لكانت العدة في الطلاق قبل الدخول .

                                                                                                                                                                                                                                      ولما كانت الحكمة الكبرى في الاعتداد بالأقراء هي أن يغلب على الظن براءة الرحم من ماء المطلق ; صيانة للأنساب ، كان الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه أصلا ; لأن الرحم لم يعلق بها شيء من ماء المطلق حتى تطلب براءتها منه بالعدة ، كما هو واضح . فإن قيل فما وجه اعتداد المختلعة بحيضة ؟ قلنا : إن كان ثابتا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أخرجه عنه أصحاب السنن والطبراني فهو تفريق من الشارع بين الفراق المبذول فيه عوض ، وبين غيره في قدر العدة ، ولا إشكال في ذلك . كما فرق بين الموت قبل [ ص: 148 ] الدخول فأوجب فيه عدة الوفاة . وبين الطلاق قبل الدخول فلم يوجب فيه عدة أصلا ، مع أن الكل فراق قبل الدخول . والفرق بين الفراق بعوض ، والفراق بغير عوض ظاهر في الجملة ، فلا رجعة في الأول بخلاف الثاني .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية