الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              وحدثني بعض إخواني ممن يوثق به ، قال : عاتب الحسن إخوانه في ترك مجالستهم ، فقال الحسن : " مجالسة الله أشهى من مجالستكم ، وذكر الله أشفى من ذكركم ، أما بلغكم ما أوحى الله تعالى إلى إبراهيم - عليه السلام - : " يا إبراهيم ، إنك خليلي فانظر لا أطلع عليك فأجدك شغلت قلبك بغيري ، فإني إنما أختار لخلتي من لو ألقي في النار وهو في ذكري لم يجد لمس النار ألما ، ومن إذا تراءت له الجنة وقد زخرفت وزينت بحورها وما فيها من النعيم لم يرها بعينه ولا شغل بها عن ذكري ، فإذا كان كذلك تواترت عليه ألطافي وقربته مني ووهبت له محبتي ، ومن وهبت له محبتي فقد استمسك بحبلي ، فأي نعمة تعدل ذلك ؟ وأي شرف أشرف منه ؟ فوعزتي لأرينه وجهي ولأشفين صدره من النظر إلي " .

              وقال إبراهيم بن أدهم : " لو علم الناس لذة حب الله لقلت مطاعمهم ومشاربهم وحرصهم ، وذلك أن الملائكة أحبوا الله فاستغنوا بذكره عن غيره " .

              وسمعت محمد بن الحسين ، يقول : قال عتبة الغلام : من عرف الله أحبه ، ومن أحب الله أطاعه ، ومن أطاع الله أكرمه ، ومن أكرمه أسكنه في جواره ، ومن أسكنه في جواره فطوباه وطوباه ، والمحب الصادق إذا استنار قلبه بنور حب الوداد نحل جسمه ، لأن قليل المحبة يبين على صاحبها كثير النحول ، فإذا وردت خطرات الشوق عليه علم أنه من الله تعالى على خلال أربع : إما أن يتقبل طاعته فيفوز بثوابها ، وإما أن يشغله في الدنيا بطاعته عن الآثام فتقل خطاياه ، وإما أن يتداركه بنظره فيلحقه بدرجة المحبين تفضلا ، وإن لم يستحق ذلك ، فإن فاتته الثلاث لم يفته الرابع إن شاء الله ، ثواب النصب لله ، وذلك أن قليل القربة عند الكريم يعتق بها الرقاب من النار [ ص: 82 ] فمن نجا من النار فما له منزلة غير الجنة ، ألم تسمع إلى قوله تعالى : ( فريق في الجنة وفريق في السعير ) ، فهل ترى لأحد منزلة بينهما ؟ ومن أراد الدخول في عز المحبة فعليه بمفارقة الأحباب والخلوة برب الأرباب ، فإن قيل : فمن أين قلت ذلك ؟ فقد حدثني بعض العلماء ، قال : قال إبراهيم بن أدهم لأخ له في الله : إن كنت تحب أن تكون لله وليا وهو لك محبا فدع الدنيا والآخرة ، ولا ترغبن فيهما ، وفرغ نفسك منهما ، وأقبل بوجهك على الله يقبل الله بوجهه عليك ، ويلطف بك ، فإنه بلغني أن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا - عليهما السلام - : يا يحيى ، إني قضيت على نفسي أن لا يحبني عبد من عبادي أعلم ذلك منه إلا كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي يتكلم به ، وقلبه الذي يفهم به ، فإذا كان ذلك كذلك بغضت إليه الاشتغال بغيري ، وأدمت فكرته ، وأسهرت ليله ، وأظمأت نهاره ، يا يحيى ، أنا جليس قلبه وغاية أمنيته وأمله ، أهب له كل يوم وساعة ، فيتقرب مني وأتقرب منه ، أسمع كلامه وأجيب تضرعه ، فوعزتي وجلالي لأبعثنه مبعثا يغبطه به النبيون والمرسلون ، ثم آمر مناديا ينادي : هذا فلان بن فلان ولي الله وصفيه ، وخيرته من خلقه ، دعاه إلى زيارته ليشفي صدره من النظر إلى وجهه الكريم ، فإذا جاءني رفعت الحجاب فيما بيني وبينه ، فنظر إلي كيف شاء ، وأقول : أبشر ، فوعزتي وجلالي لأشفين صدرك من النظر إلي ، ولأجددن كرامتك في كل يوم وليلة وساعة ، فإذا توجهت الوفود إليه أقبل عليهم ، فقال : أيها المتوجهون إلي ، ما ضركم ما فاتكم من الدنيا إذا كنت لكم حظا ، وما ضركم من عاداكم إذا كنت لكم سلما .

              قال : وحدثني الحسين بن أحمد الشامي ، قال : سمعت ذا النون المصري ، يقول : قرأت في التوراة : أن الأبرار الذين يؤمنون ، والذين في سبيل خالقهم يمشون ، وعلى طاعته يقبضون ، أولئك إلى وجه الجبار ينظرون ، فغاية أمل الآمل المحب الصادق النظر إلى وجه الله الكريم ، فلا ينعمهم في مجلسهم بشيء أكبر عندهم من النظر إلى وجهه ، وبلغني أنه ينعمهم بعد النظر بأصوات الروحانيين ، وبتلاوة داود - عليه السلام - الزبور ، فلو رأيت داود وقد أتي بمنبر رفيع من منابر الجنة ، ثم أذن له أن يرقى ، وأن يسمع حمده وثناءه ، وقد أنصت [ ص: 83 ] له جميع أهل الجنة من الأنبياء والأولياء والروحانيين والمقربين ، ثم ابتدأ داود بتلاوة الزبور على سكون القلب عند حسن حفظه وترجيعه وتسكينه الصوت ، وحسن تقطيعه ، وقد وكل بها زمعها ، وفاح منها طربها ، وقد بدت النواجذ من الضاحكين بحبرة السرور ، وأجاب داود هواء الملكوت ، وفتحت مقاصير القصور ، ثم رفع داود - عليه السلام - من صوته ليتم سرورهم ، فلما أسمعهم الرفيع من صوته برز أهل عليين من غرف الجنة ، وأجابته الحور من وراء سترات الخدور بمفتنات النغم ، وأطت رحال المنبر ، واصطفقت الرياح فزعزعت الأشجار ، فتراسلت الأصوات وتجاوبت النغم ، وزادهم المليك الفهم ليتم ما بهم من النعم ، فلولا أن الله كتب لهم فيها البقاء لماتوا فرحا ، قلت : فهل قالت العلماء في صفة يوم الزيارة شيئا تصفهم به ؟ قال : نعم ، اجتمع جماعة من العباد ، فأتوا عابدا في بيته ، فقالوا له : قل خيرا وأوصنا بوصية ، فقال : اقطعوا الدهر إخوتي بمناجاة ربكم ، واجعلوا الهم هما واحدا ، فهو أهنأ لعيشكم ، قيل له : فما ميراث ذلك إذا نحن فعلناه ؟ فقال :


              ترثوا العز والمنى وتفوزوا بحظكم     فلعمري إن الملوك
              لفي دون ملككم



              قيل له : فمتى نكون ملوكا في الدنيا أو في الآخرة ؟ فقال :


              إنما تجعلون ملوكا     في الأخرى بزهدكم
              حين يؤنسكم العزيز     على قدر شكركم
              فتكونوا في القرب منه     على قدر حبكم



              قالوا : فما الذي يقطع بنا عنه - عز وجل - ؟ فقال : لأنكم تتمادون في المنى ، وتناسون فعلكم ، وأنتم مع ذلك تتمنوا أماني ليس تصلح بمثلكم ، وذلك أنكم شغلتم عن الإله بإصلاح عيشكم ، قالوا : فبم نستعين على الطاعة ؟ قال : بذكر حبيب العابدين ، إنكم لو سقيتم من حبه مثل ما ذاق غيركم لنفي عنكم الرقاد على طيب فرشكم ، وارتياحا يقل عند المناجاة صبركم ، ثم أرم ساعة - يعني سكت - ثم أقبل عليهم ، فقال : إخوتي ، لو وردتم في غد عند بعثكم ، فوق نوق من [ ص: 84 ] النجائب معكم نبيكم ، لتزوروا ماجدا واحدا لا يملكم ، قالوا له : فما حال الزوار عنده إذا قصدوه تبارك اسمه معهم نبيهم ؟ قال : إنهم حين قاربوه تجلى لقربهم فإذا عاينوا المليك تقضت همومهم ، سمعوا كلامه وسمع كلامهم ، قالوا : فما علامة من سقاه الله بكأس محبته ؟ فقال : علامته أن يكون عليل الفؤاد بذكر المعاد ، بطيء الفتور في جميع الأمور ، كثير الصيام ، شديد السقام ، عفيفا كفيفا ، قلبه في العرش جوال ، والله مراده في كل الأحوال .

              قلت : رحمك الله ما أقرب ما يتقرب به العبد المحب إلى الله ؟ قال : حدثني محمد بن الحسين ، قال : سئل أبو سليمان الداراني عن أقرب ما يتقرب به إليه ، قال : أن يطلع على قلبه وهو لا يريد من الدنيا والآخرة غيره ، ففي هذا دليل على أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله كل عمل عمله بالإخلاص لله والإشفاق عليه من عدوه ، وإن قل ذلك فهو المقبول إذا كان على حقيقة التقوى معمولا ، كما قال علي بن أبي طالب : عمل صالح دائم مع التقوى وإن قل ، وكيف يقل ما يتقبل ؟ وذلك أن المحب لله هو على الركن الأعظم من الإيمان الذي يمكن أن يستكمله العبد ، ولا يحسن به ادعاؤه وهو ركن المعرفة بالنعم ، وإظهار الشكر للمنعم ، وذلك أن الله تعالى يقول لولي من أوليائه : يا عبدي ، أما زهدك في الدنيا فطلبت به الراحة لنفسك ، وأما انقطاعك إلي فتعززت بي ، فهل عاديت لي عدوا أو واليت لي وليا ؟ فيخبرك أنه جعل الحب والبغض فيه أعظم عنده ثوابا من الزهد في الدنيا ، والانقطاع إليه ، قلت له : صف لي زهد المحبين ، وزهد الخائفين ، وزهد الورعين ، وزهد المتوكلين ، فقال : إن العباد زهدوا في حلال الدنيا خوفا من شدة الحساب إذ سئلوا عن الشكر ، فلم يؤدوا الشكر على قدر النعم ، وفرقة من الخائفين زهدوا في الحرام خوفا من حلول النقمة ، فزهد الخائفين ترك الحرام البين ، وزهد الورعين ترك كل شبهة ، وزهد المتوكلين ترك الاضطراب فيما قد تكفل به من المعاش ؛ لتصديقهم بوفاء الضامن ، وزهد المحبين قد قالت فيه العلماء ثلاثة أقوال ، فقالت فرقة : زهد المحب في الدنيا كلها في حلالها وحرامها ، لقلتها في نفسه ، وقالت [ ص: 85 ] فرقة أخرى : زهد المحب في الجنة دون الدنيا ، حذرا من أن يقول له حبيبه : يا محب ، أي شيء تركت لي ؟ فيقول : تركت لك الدنيا ، فيقول : وما قدر الدنيا ؟ فيقول : يا رب ، قدرها جناح بعوضة ، فيلحقه من الحياء من الله أن يقول له : تركت لك ما قدره جناح بعوضة ، ولكن تعلم يا رب أني لم أعبدك إلا بثواب الجنة فقط ، لا أريد منك غير ذلك ، وما الجنة مع ذكرك ؟ فزهد المحب الصادق في الدنيا هو الزهد في الإخوان الذين يشغلون عن الله ، فقد زهد فيهم لعلمه بما يلحقه من الآفات عند مشاهدتهم ، فزهده فيهم على علم بهم " .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية