الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) وفيه مسألتان :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : اعلم أنه إذا كان الكلب معلما ثم صاد صيدا وجرحه وقتله وأدركه الصائد ميتا فهو حلال ، وجرح الجارحة كالذبح ، وكذا الحكم في سائر الجوارح المعلمة . وكذا في السهم والرمح ، أما إذاصاده الكلب فجثم عليه وقتله بالفم من غير جرح فقال بعضهم : لا يجوز أكله لأنه ميتة . وقال آخرون : يحل لدخوله تحت قوله : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) وهذا كله إذا لم يأكل ، فإن أكل منه فقد اختلف فيه العلماء ، فعند ابن عباس وطاوس والشعبي وعطاء والسدي أنه لا يحل ، وهو أظهر أقوال الشافعي ، قالوا : لأنه أمسك الصيد على نفسه ، والآية دلت على أنه إنما يحل إذا أمسكه على صاحبه ، ويدل عليه أيضا ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعدي بن حاتم : " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أدركته ولم يقتل فاذبح واذكر اسم الله عليه ، وإن أدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك ، وإن وجدته قد أكل فلا تطعم منه شيئا فإنما أمسك على نفسه " وقال سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو هريرة - رضي الله عنهم - : إنه يحل وإن أكل ، وهو القول الثاني للشافعي - رحمه الله - . واختلفوا في البازي إذا أكل ، فقال قائلون : إنه لا فرق بينه وبين الكلب ، فإن أكل شيئا من الصيد لم يؤكل ذلك الصيد وهو مروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - . وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني : يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب ، الفرق أنه يمكن أن يؤدب الكلب على الأكل بالضرب ، ولا يمكن أن يؤدب البازي على الأكل .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : " من " في قوله : ( مما أمسكن ) فيه وجهان :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أنه صلة زائدة كقوله : ( كلوا من ثمره إذا أثمر ) [الأنعام : 141] .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : أنه للتبعيض ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن الصيد كله لا يؤكل ؛ فإن لحمه يؤكل ، أما عظمه ودمه وريشه فلا يؤكل .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن المعنى كلوا مما تبقي لكم الجوارح بعد أكلها منه ، قالوا : فالآية دالة على أن الكلب إذا أكل من الصيد كانت البقية حلالا ، قالوا وإن أكله من الصيد لا يقدح في أنه أمسكه على صاحبه لأن صفة الإمساك هو أن يأخذ الصيد ولا يتركه حتى يذهب ، وهذا المعنى حاصل سواء أكل منه أو لم يأكل منه .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( واذكروا اسم الله عليه ) وفيه أقوال :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن المعنى : سم الله إذا أرسلت كلبك . وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل " وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله : ( عليه ) عائد إلى ( وما علمتم من الجوارح ) أي : سموا عليه عند إرساله .

                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 115 ]

                                                                                                                                                                                                                                            القول الثاني : الضمير عائد إلى ما أمسكن ، يعني سموا عليه إذا أدركتم ذكاته .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : أن يكون الضمير عائدا إلى الأكل ، يعني واذكروا اسم الله على الأكل . روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر بن أبي سلمة : " سم الله وكل مما يليك " .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن مذهب الشافعي - رحمه الله - أن متروك التسمية عامدا يحل أكله ، فإن حملنا هذه الآية على الوجه الثالث فلا كلام ، وإن حملناه على الأول والثاني كان المراد من الأمر الندب توفيقا بينه وبين النصوص الدالة على حله ، وسنذكر هذه المسألة إن شاء الله تعالى في تفسير قوله : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) [الأنعام : 121] .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( واتقوا الله إن الله سريع الحساب ) أي : واحذروا مخالفة أمر الله في تحليل ما أحله وتحريم ما حرمه .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية